نمط ضاغط… مستعار!
باستثناء انتخاب العماد ميشال سليمان رئيسا للجمهورية الذي شكل البُعد الخارجي الاساسي للتقاطعات الدولية والعربية والاقليمية التي وفرت الغطاء والممر الخارجيين لتسوية الدوحة، بات يمكن الآن، وفي ضوء مرور زهاء عشرين يوما بعد ولادة هذه التسوية تلمس بعض الانماط المتبدلة في الواقع السياسي التي قد يعايشها اللبنانيون ويتكيفون معها اقله حتى موعد الانتخابات النيابية المقبلة.
هذه الحقبة الزمنية القصيرة نسبيا اثبتت بما لا يقبل جدلا حتى ثبوت العكس، ان الواقع الميداني او واقع الارض لا يزال يتحكم بمجريات السياسة مدا وجزرا وهجوما ودفاعا، وان المفهوم القسري "الحربي" الذي ساد بعد احداث 7 ايار وافضى الى "هدنة الدوحة" لن يتبدل مع مظاهر المناسبات الديبلوماسية والدستورية كتلك التي جمعت الغالبية والمعارضة في قصر بعبدا في استقبال الرئيس الفرنسي او كاللقاءات "الاجبارية" التي سيمليها الإبحار الصعب نحو ولادة الحكومة الجديدة. فكل هذا يجري وسيجري بعيدا عن حقيقة "الأناشيد" التي تتحدث عن مصالحة حتمية وضرورية والزامية لتبريد الشوارع وتبريد الرؤوس الحامية والمعالجة التدريجية للالتهاب المذهبي.
لا بل ان اشد ما يثير القلق من ان تكون مسيرة تنفيذ الالتزامات التي يفرضها اتفاق الدوحة على الورق بعيدة جدا عن الالتزام الفعلي على الارض، ان الصدامات والافتعالات الامنية المتعاقبة في مناطق الاختلاط والتشابك انما تجري بوتيرة يومية على وقع خطاب "الانتصار السياسي" الذي يمعن في خلفيته الدفينة وايحاءاته الواضحة في استثمار الضغط الامني لابقائه سيفا مصلتا على المجريات السياسية الجديدة.
فبين اتهام المعارضة للغالبية بتضخيم "احداث فردية" لمنع التنازلات عن "الاستئثار بالسلطة"، وبين اتجاه الاطراف المستهدفة في الغالبية الى تحكيم لجنة تقصي عربية حيال ما يجري، لا تعود الى الذاكرة سوى صفحات سوداء من حقبات الازمات الدامية حين كانت الضغوط العسكرية السورية تشتد بتصعيد مذهل عند كل مفترق سياسي مهم شهده لبنان ابان المراحل التي سبقت ولادة الطائف واعقبته الى ان استتب الامر في "سلام آحادي" الطرف اسلس القياد نهائيا للوصاية السورية سحابة 15 عاما. شيء من هذه الاستعارة يعود الآن متسللا تحت جنح الجرح المذهبي المفتوح، مع فارق خطير تضيع معه الحقائق والوقائع تحت قصف التعمية وتضييع الفاعل ما دام لبنان "يرتع" نظريا بسيادة واستقلال مستعادين وما دام الجرح مفتوحا بين لبنانيين اقحاح لا يهتدون الى تصنيف هوياتهم الا بالخانة المذهبية الفاقعة.
بطبيعة الحال حسنا فعلت الغالبية مع ملامح استدراكها اي خطأ محتمل ان هي مضت، او بعض اطرافها، في استدراج اي "أمن عربي" مستعار مجددا الى لبنان. فمثل هذا الخطأ لن يكون ممكنا تصور اخطاره الهائلة وتصادمه تصادما كبيرا مع كل الادبيات السيادية لهذا الفريق ومبادئه وثوابته منذ انتفاضة 14 آذار 2005.
وليس امام هذا الفريق سوى التحصن المتواصل بتحميل القوى الامنية واجهزتها الشرعية صاحبة الحق الحصري في امتلاك السلاح وتحكيمه لفرض الامن، لا بل لدفعها الى اتباع سياسات امنية صارمة وعادلة ونوعية واستثنائية، لا تستثني احدا لاجتثاث بؤر الافتعالات ولاعادة الثقة بالقوى الامنية.
ولكن المسؤولية الاكبر المعلنة والموضوعية تقع على المعارضة، ليس لكون طرف اساسي فيها قام بالفعل المسلح في بيروت فحسب، بل لكون هذا الطرف لا يزال يصر على التمسك بعنوان خطير لهذه العملية بقصد اسباغ مشروعية عليها بادراجها في خانة "عمل محدود ونظيف". وليس اقل من إمكان الاستخلاص ان هذا العنوان ينطوي على نية لاعطاء طرف مسلح "حق" تثبيت واقع الضغط الامني المتواصل حتى "انجاز" المكاسب السياسية التي لم تنجز بعد، والتي تطمح المعارضة الى ان تكون رحلتها الى الانتخابات النيابية "متوجة" بها حتى تحقيق الغلبة الشاملة على الغالبية الراهنة. والى ان يأتي ما يعاكس ذلك، ستظل المفترقات السياسية رهينة الضغوط الامنية تحت "نشيد" التزام تسوية الدوحة.