#adsense

السفارتان الغائبتان

حجم الخط

السفارتان الغائبتان

هناك ربط، يبدو متعمداً، بين الحديث عن تحسن العلاقات اللبنانية مع سورية ومطلب تبادل السفارات بين البلدين. فالذين يردّون، من الجانب السوري، على المطالبة بفتح سفارة لسورية في بيروت، يقولون إن الظرف السياسي غير ملائم الآن لذلك، بانتظار اختبار المناخ الذي سيميز موقف الحكومة اللبنانية الجديدة من العلاقات مع سورية. وقد سبق للرئيس السوري بشار الاسد أن أكد في اكثر من مناسبة انه حتى لو كانت هناك علاقات بين دمشق وبيروت، لكانت قُطعت في ظل التوتر الذي قام بين البلدين منذ اغتيال الرئيس رفيق الحريري. وفي حديث له خلال زيارته الاخيرة للكويت اشترط لتبادل السفارات ان تكون هناك حكومة وحدة وطنية في لبنان وان تكون العلاقات جيدة معها.

ويبدو ربط قيام السفارات بطبيعة العلاقات السياسية بين الحكومات مسألة تكاد تكون خاصة بلبنان وسورية. فوجود السفارات لا يرتبط بقيام علاقات حسنة او سيئة بين الدول. اذ أن تدهور هذه العلاقات بين بلدين يؤدي في معظم الاحيان الى سحب السفراء، كما يمكن أن يصل الى مرحلة قطع العلاقات، لكن ذلك لا يعني انهاء الاعتراف بالدولة المغضوب عليها ككيان سياسي مستقل. فبين الولايات المتحدة وكوبا ما بينهما، لكن قليلين يعرفون ان هناك قسماً لرعاية المصالح الاميركية في هافانا، وكذلك الحال بالنسبة الى المصالح الكوبية في واشنطن. وتقوم سويسرا برعاية القسمين في عاصمتي البلدين. هل يعقل ان يكون أمر كهذا قائماً بين العدوين كوبا والولايات المتحدة، ولا يكون مثله، على الاقل، قائماً بين دمشق وبيروت؟ وهل لنا أن نأمل مثلاً، حتى لو كانت مسألة السفارات بعيدة المنال حالياً، ان يقوم قسم لرعاية المصالح السورية في السفارة القطرية في بيروت مثلاً، في مقابل قسم لرعاية المصالح اللبنانية في سفارة فرنسا في دمشق؟

اما الذين ينتقدون من الجانب اللبناني، عدم وجود سفارة سورية في بيروت، فإنهم يعيدون السبب وراء ذلك الى عدم اعتراف سورية بوجود لبنان كبلد مستقل. وهنا ايضاً يتميز هذا الموقف بالمبالغة العاطفية العائدة الى إرث تاريخي من الشك يرقى الى فترة استقلال البلدين عن الانتداب الفرنسي. والذين يوجهون هذا الانتقاد يغفلون حقيقة أن رؤساء للجمهورية اللبنانية زاروا دمشق مرات كثيرة وكذلك مسؤولين لبنانيين كباراً، كما قام الدكتور بشار الاسد، بعد توليه الرئاسة، بزيارة يتيمة الى قصر بعبدا مع مطلع عهد الرئيس السابق اميل لحود. وكان يجري في كل مرة تنظيم الاستقبالات الرسمية، التي يُرفع خلالها علما البلدين ويُعزف نشيداهما الوطنيان. فكيف يحصل ذلك لو لم يكن هناك اعتراف بوجود الدولة الاخرى وبكيانها السياسي؟

من العلامات الصحية في هذا الوقت أن قضية السفارتين في دمشق وبيروت باتت موضوعاً مطروحاً للنقاش علناً في العاصمتين وعلى مستوى رفيع، بعد أن كان طرحها يعد من المحظورات، بل عملاً عدائياً، في فترة قريبة سابقة. فهذه القضية كانت من النقاط التي لقيت إجماعاً حولها خلال جلسات الحوار بين القادة اللبنانيين، ومثلها مسألة ترسيم الحدود بين البلدين، كما انها باتت امراً يتحدث عنه المسؤولون السوريون بإيجابية وعلى اعلى مستوى، كما يدل حديث الرئيس الاسد الذي سبقت الاشارة اليه. ولكن الاستكمال الايجابي لهذه الخطوات بات يقضي سحب هذه القضية من سوق التداول السياسي، كي لا نقول الابتزاز، ووضعها في موضعها الصحيح، اي علاقات طبيعية وندية بين بلدين يعترف كلاهما بوجود الآخر ويتعاطى معه من موقع الاحترام، بعيداً عن المزايدات التي ميزت المواقف السياسية خلال فترة الوجود العسكري السوري في لبنان.

صحيح ان تلك الفترة شهدت اتفاقات بين البلدين، اهمها «معاهدة الاخوة والتعاون والتنسيق» التي تم توقيعها في ايار (مايو) 1991، في عهد الرئيس الراحل الياس الهراوي، وهي المعاهدة التي اسست لقيام المجلس الاعلى اللبناني السوري، الذي يحرص المسؤولون السوريون على اعتباره النموذج الافضل لترتيب علاقات البلدين. لكن من المنصف الاعتراف ان فترة الوجود العسكري السوري في لبنان، التي نشأ هذا المجلس من رحمها، ليست الفترة الصالحة للبناء عليها اذا كانت هناك نية حقيقية لقيام علاقات صحية بين لبنان وسورية. فأول ما تقتضيه مثل هذه العلاقات قدرة أحد الطرفين على قول «لا» اذا شعر بالغبن، وهو ما لم يكن متوافراً في تلك الفترة ولا من خلال هذا المجلس.

المصدر:
الحياة

خبر عاجل