لم يتغيّر شيء في مشروع "حزب الله": اللادولة حفظاً لسلاحه!
من السابق لأوانه تخيل ما سيكون عليه حال "الحكم" داخل مجلس الوزراء بعد الاتفاق على تشكيل الحكومة المقبلة، ولا ما سيكون عليه حال "المعارضة" ـ كما يبشر البعض! ـ داخل تلك الحكومة، الا أن خلية عنكبوت الرغبات والمطالب والشروط والفيتوات التي شهدتها عملية التشكيل في الأيام القليلة الماضية ترسم صورة عن ذلك الذي ينتظر البلد في الآتي من الأيام. وهو، اذا جاز التشبيه، لا يختلف كثيرا عما شهدناه، ولم نكن ننتظره بالطبع، في خلال العامين الماضيين اللذين سبقا "اتفاق الدوحة" وما رافقه من استباحة بالسلاح للعاصمة والجبل وبعض الشمال والبقاع: منع قيام الدولة، أية دولة، ولا حتى شبه دولة، بمختلف الطرق والوسائل.
ليس ذلك فقط، بل ان خطاب الأمين العام لـ "حزب الله" السيد حسن نصرالله بمناسبة ذكرى التحرير، وبعد يوم واحد من خطاب القسم الذي ألقاه الرئيس العماد ميشال سليمان، لم يفعل الا أنه رسم حدود "الدولة" المتوهمة، بل جعل منها حدودا قتالية عندما يتعلق الأمر ببسط القوات المسلحة الشرعية سلطتها على السلاح غير الشرعي، ان في مواجهة ما سماه "المقاومة" أو ما سماه "تصفية حسابات" مع حلفاء "حزب ولاية الفقيه" بحسب وصف نصرالله لحزبه.
ومن دون الدخول في التفاصيل، لعل اللبنانيين لم ينسوا بعد امتحان المعارضة لكل من الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى وزملائه وزراء الخارجية العرب في اللغة العربية حول حكومة "اللا سيطرة واللا تعطيل"، والتمسك بـ"السلة المتكاملة" التي تشمل انتخاب رئيس الجمهورية وتشكيل حكومة وحدة وطنية واقرار قانون للانتخابات. ولعلهم لم ينسوا كذلك أن "اتفاق الدوحة" تناول ذلك، ومعه أيضا "الثلث المعطل" في الحكومة وان مع شروط تضمن عدم الانسحاب من الحكومة وعدم تعطيل أعمالها، فماذا حدث منذ التوقيع على الاتفاق في 21 أيار الماضي ؟!.
ـ في الجانب الأمني، لم تتوقف ولو ليوم واحد "الاستباحات"الدراجة لأحياء بيروت وأزقتها ولا "الكمائن" المنصوبة للمواطنين في هذه الأحياء وخارجها، بالرغم من التعهد الواضح في "اتفاق الدوحة"بازالة كل ما له علاقة بآثار الجريمة الكبرى التي اقترفت بحق المدينة وأهلها وعدم استخدام السلاح لأغراض سياسية أو مصلحية خاصة بعد الآن. والأخطر من ذلك، أن جزءا كبيرا من "تظاهرات القوة" هذه تم (على نسق فخ مار مخايل قبل فترة، وللهدف اياه) تحت أعين قوات الجيش وقوى الأمن الداخلي المنتشرة في تلك المناطق.
ـ في الجانب السياسي ـ الاعلامي، لم يغب عن العديد من قادة المعارضة التهديد بما وصفوه بـ "قتلة ثانية "على صعيد الغزو المسلح، والاستهجان لواقع أن الغالبية تصرفت ـ خاصة بعد أن رشحت الرئيس فؤاد السنيورة لتشكيل الحكومة الجديدة ـ كما لو أن "تبدلا جذريا "في ميزان القوى لم يحدث، هذا فضلا عن التبني الكامل لتقارير وتعليقات وتصريحات (صهيونية وأميركية، من دون هذه الأوصاف الآن؟!) تحدثت عن غلبة المعارضة بقيادة "حزب الله" وفرض سيطرتها الكاملة على احياء بيروت". "هل نضيف الى ذلك لهجة "الاستكبار" ـ بالاذن من ايران و"حزب الله" اللذين يحتكران هذا الوصف ـ السائدة في اعلام المعارضة بازاء الأكثرية وكل من ينتمي اليها؟!).
ـ في الجانب الحكومي، تصاعدت الى حدود السخرية المطالب بنوعية الحقائب (بعد ضمان عددها 11 من أصل 30)، مرة تحت عنوان السيادية وأخرى الخدماتية وثالثة "التنظيفية" بدعوى العمل على تنظيفها من الرشاوى، من دون اعتبار لا لعدد الحقائب الوزارية أصلا ولا للحصتين اللتين اتفق في الدوحة على أن تكونا للأكثرية ولرئيس الجمهورية. كما ارتفعت في الوقت ذاته "الفيتوات"المتنوعة، على هذا المرشح للوزارة أو ذاك، وعلى هذه الحقيبة لذلك الاسم او تلك الكتلة، وعلى هذا الشخص من خارج المجلس النيابي أو ذاك من داخله.
ليس ذلك فقط، بل لا حكومة اذا لم يأخذ هذا الطرف حصته كاملة (عداً ونقداً) وكما يريدها من دون زيادة أو نقصان!.. وكما قبلنا على مضض موقف الغالبية بأن تفرض اعادة تكليف السنيورة بتشكيل الحكومة، عليها أن تقبل موقفنا بفرض هذا الوزير أو ذاك لهذه الحقيبة أو تلك!.. ولا مجال للمساومة، خاصة على "حق" الحلفاء سواء في المجلس النيابي أو خارجه في أن تنالهم حصة من "الوعد الصادق"، أو في أن تتحقق "المشاركة الحقيقية" من خلال تولي الطبيب أو المهندس أو المحامي وزارة المالية على سبيل المثال!…. وفي كل حال، فالمعارضة خارج الحكومة (اعتكافا، واستقالة، واعتصاما في مخيم ساحة رياض الصلح) ستكون هي هي داخل الحكومة من دون أي تغيير!!
(هل نضيف الى ذلك ما قاله مسؤول العلاقات الدولية في "حزب الله"، للزميل مرسيل غانم في برنامج "كلام الناس"، من أنه اذا لم يتم تعيين قائد للجيش يقبل به الحزب فلن يكون هناك قائد للجيش ؟!
ماذا يعني ذلك كله ؟!.
غالب الظن أن "الاتصال"الأخير الذي أمكنه، في آخر لحظة، انقاذ لقاءات اللجنة العربية في فندق فينيسيا في بيروت، ثم أمكنه لاحقا، في ساعة متقدمة من فجر الحادي والعشرين من أيار الماضي، الوصول الى صياغة "اتفاق الدوحة"، لم يغير شيئا في طبيعة المشروع الذي يقف وراءه "حزب الله" وأتباعه في المعارضة منذ ما بعد مرحلة الحوار الأولى في النصف الأول من العام 2006.
ولا كلمة تعبر حقيقة عن هذا المشروع الا كلمة "اللادولة"، أو ربما "شبه الدولة"، كي تبقى مسألة سلاح "حزب الله" تدور في الحلقة المفرغة اياها منذ الانسحاب الاسرائيلي من لبنان في العام 2000.
وفي نظرة فاحصة للوضع الآن، يمكن تلمس الصورة كما يأتي: في بعبدا رئيس للجمهورية، وفي السراي رئيس حكومة مكلف، وربما حكومة "مشلولة" لاحقا، ونقاش مديد وعقيم حول قانون الانتخاب ونقاط الحوار.. وكفى الله المؤمنين بقيامة لبنان، وبدولته، شر القتال!!.