هل هو توسيع لأمر واقع أم استدراج لمزيد من التوريط؟
مسلسل الأحداث المتنقّلة يثير مخاوف مبكرة على العهد
تثير الحوادث الامنية المتنقلة في بيروت وانفجار الوضع في البقاع الاوسط، على ما حدث قبل يومين، اهتمام المراقبين الديبلوماسيين والسياسيين الذين يتساءلون عما اذا كانت هذه الحوادث عوارض جانبية لما قامت به حركة "امل" و"حزب الله" في بيروت والجبل، ام انها مقدمة لوضع خطر يمكن ان يحصل في لحظات انشغال دولي واقليمي وانصراف الى حد ما عن لبنان كأولوية الى امور اخرى لا تقل اهمية؟
حتى اليوم تبدو الحوادث المتكررة في البقاع كأنها جبهة جديدة فتحت في تلك المنطقة وخصوصا مع استخدام اسلحة ثقيلة ومتوسطة لا تكشف الجهات الامنية المسؤولة المسؤول عنها او من يستخدمها في ضوء الاتهامات المتبادلة بين فريقي النزاع.
وتفترض القراءة الموضوعية للوقائع، بحسب بعضهم، استنتاج امرين: الاول ان ما قام به "حزب الله" في العاصمة سينسحب على مناطق اخرى يرغب في ان يكرس فيها امرا واقعا جديدا بالاضافة الى استكمال ما حصل في بيروت ويحصل تكرارا مع بعض وسائل الاعلام، والاعتراض مثلا على نزع الصور والاعلام على طريق المطار.
وهذا يقرأه المراقبون المعنيون على انه قد يكون قرارا بابقاء القوة المسلحة كأمر واقع تحت نظر القوى الامنية او تحت وطأة الامن بالتراضي بحيث باتت هذه القوى جميعا بعد ما حصل في 7 و8 و9 ايار، في موقع لا تحسد عليه لاكتفائها بمراقبة ما يجري وعدم التدخل لحماية الناس ومنع الاعتداءات. وقد يكون هذا الموقف نتيجة مباشرة لانعدام الثقة بالقوى الامنية وان تكن هذه القوى تحظى بكل الدعم الممكن من الزوار الاجانب الذين وفدوا الى لبنان بعد انتخاب العماد ميشال سليمان رئيسا للجمهورية، فضلا عن عدم الخشية منها لاكتفائها بمراقبة ما يجري من منع وسائل اعلامية مثلا او سوى ذلك.
والامر الآخر يقول به بعضهم في المعارضة وفحواه انه قد يكون هناك استدراج للحزب الى مزيد من التورط في الداخل تماما كما فعلت المقاومة الفلسطينية بقيادة الرئيس الراحل ياسر عرفات في بداية الحرب في لبنان حين كانت قبلة الانظمة العربية وفخرها، وضاعت فجأة في شوارع بيروت وزواريب النزاعات الداخلية والمصالح المباشرة.
وفي الحالين يعتبر هذان الامران ترجمة لواقع خطر جدا بتداعياته القريبة والبعيدة مما يستوجب ان يظهر الافرقاء، خصوصا من فتحوا الباب على الانفلات الامني في الاساس للاعتبارات والمبررات التي قدموا فهمشوا القوى الامنية وتركوا انعكاسات بالغة السلبية على معنوياتها، ان لهم مصلحة في ان تأخذ هذه القوى دورها وعدم اعاقة طريقها. والا فان ثمة تغذية لمنطق يذهب في اتجاهين: احدهما فتح المجال لأن يسعى كل فريق الى ان يأخذ حقه بيده ما دامت حصلت سوابق تم السكوت عنها في هذا الاطار، ثم ان استخدام السلاح والعنف ينفعان او يحققان مكاسب سياسية وثمة ما يبرر اللجوء اليه وخصوصا اذا كانت النية الذهاب الى انتخابات نيابية يلوح اقطاب المعارضة منذ الآن بقلب الاوضاع فيها، مما يرسم علامات استفهام كثيرة حول ما اذا كانت هذه الحوادث عفوية او من دون خلفيات محددة. لذلك يعتقد بعض هؤلاء المراقبين ان ما يحصل قد يكون مؤشرا الى عوارض تترجم انعكاسا لما حصل، كما قد يكون في الوقت نفسه مقدمة لمرحلة خطرة تتسم بالقلاقل والاضطرابات، وثمة مصلحة لكثيرين فيها اقليميا على نحو خاص وكذلك محليا بالنسبة الى البعض مما ينسف توقعات مجموعات كبيرة بان لبنان على عتبة مرحلة جديدة وصيف واعد. والامر الاخير لم يتحقق منذ سنوات كثيرة لاسباب مختلفة، وبدا غريبا بالنسبة الى هؤلاء المعنيين ان تتبدل الصورة حتى وان شهد لبنان انتخابات رئاسية مطلع الصيف.
انطلاقا من هذه المعطيات، لا توحي الاجواء الكثير من التفاؤل بل على النقيض حتى ولو تألفت الحكومة وسهلت الامور امامها للاقلاع عن انجاز شؤون المواطنين. ففي واقع الامور ان الاطمئنان الذي استند اليه اللبنانيون طيلة العامين الماضيين معتقدين ان لا حرب اهلية داخلية ولا سلاح يمكن ان يوجه نحو الداخل مهما تكن الامور صعبة – هذا الاطمئنان قد هوى، ولم يعد اللبنانيون يثقون في اي شعار او طمأنة يمكن ان تقدم اليهم مع فصول جديدة تتوالى على نحو شبه يومي. وفي ذاكرة اللبنانيين الحديثة ان الرئيس رشيد كرامي نجح في تأليف الحكومة في بداية الحرب لكن حكومته لم تستطع منع الانزلاق الى الحرب، خصوصا ان نزاعات اقليمية كانت تترجم نفسها مجددا في لبنان، وهذا واقع الحال اليوم وربما كانت ثمة مصلحة لبعضهم في العودة الى النافذة بعد الخروج من الباب على ما هي حال السوريين. وهناك كثر يتوجسون من نزاعات مسلحة تبعد كيلومترات قليلة عن الحدود مع سوريا في حين اثيرت اكثر من مرة في العامين الماضيين اتهامات حول اختراقات لقوات سورية مباشرة او بالواسطة قرب الحدود مع لبنان. وايضا ربما كان هناك من يود ان يبقي الامور مشتعلة من اليوم حتى موعد الانتخابات النيابية لتبرير استخدام العنف والسلاح رغبة منه في تأمين حسم سياسي صعب. وكلها امور لا تطمئن في مجملها وبدأت تسحب الوهج من امام الرئيس سليمان ومن امام حكومة محتملة قريبا ما لم تهدأ كليا وبسحر ساحر ليس موجودا في لبنان، علما ان المراهنات هي على ان يتولى رئيس الجمهورية الدور الانقاذي بنفسه بما أُعطي ويُعطى من دعم في مطلع عهده.