توصيف اجتياح بيروت بالعمل النظيف من قبل الشيخ قاسم يزيد في حدة الشرخ
خطاب يؤجج المشاعر الملتهبة ولا يساعد في التهدئة وتجاوز التداعيات الخطيرة
بكل بساطة، يصف ما يسمى بنائب الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم، جريمة اجتياح مدينة بيروت عسكرياً بسلاح المقاومة المخصص لمواجهة العدو الاسرائيلي، بالعمل الموضعي النظيف، الذي لجأ اليه الحزب، بهدف منع الفتنة وتوريط الجيش اللبناني، وانقاذ البلاد من المأزق، كما زعم، لتبرير غير مقنع لما ارتكبه الحزب بحق اهالي العاصمة، وكأن اللبنانيين عموماً سذّج الى هذا الحد، ولا يعرفون الأهداف الحقيقية لهذه الجريمة الجديدة، وهي غير الأهداف التي يعلنها الحزب ولا علاقة لها بمصلحة اللبنانيين على الاطلاق، بل ترتبط بمصالح وغايات الجهات الأجنبية، التي تكشف عن نفسها بنفسها من خلال المواقف والبيانات التي تصدر عن هذه الجهات في وسائل الاعلام من وقت لآخر·
فلو كان الشيخ قاسم، حريصاً بالفعل على السلم الأهلي، ومنع الفتنة وانقاذ البلاد من المأزق كما يدعي في تبريره المبسط لعملية اجتياح بيروت عسكرياً، لكان الأجدى به تجنّب اللجوء الى هذا التوصيف المتبجح والفوقي للاعتداء المنظم الذي قام به الحزب ضد اهالي بيروت، ولأرفق خطابه السياسي بنفحة من التواضع والعقلانية توطئة لتبريد الأجواء الملتهبة ووقف تأجج المشاعر المذهبية التي تسببت بها ممارسات الحزب الدموية، توطئة لوضع حد وتطويق المضاعفات السلبية لهذه الممارسات التي لم تتوقف حتى اليوم، بل على العكس تمتد من منطقة لأخرى، من جراء هذا الخطاب الفوقي الذي يباعد بين اللبنانيين ولا يقرّبهم على الاطلاق·
وعكس التوصيف الذي أطلقه الشيخ قاسم، فإن جريمة اجتياح بيروت عسكرياً بسلاح المقاومة، ليست عملاً نظيفاً موضعياً كما في توصيفه المبسط ونظرته، بل هي جريمة موصوفة بكل المقاييس والأبعاد والنتائج، ترتكب بحق العاصمة وأهلها، ولا تختلف عن الاجتياح العسكري الذي قامت به اسرائيل لبيروت في العام 1982، بل تبدو أكثر أذى وإيلاماً، لأن من ارتكبها، كان يُفترض به أن يكون مدافعاً وسنداً ونصيراً، ويردّ الأذى والضرر عنها، ولا يشكل أداة تنفيذية لمآرب
وأهداف لا تمتّ الى المصالح اللبنانية بصلة على الإطلاق· كان الأجدى للشيخ قاسم أن يتجنّب اللجوء الى هذا التوصيف السخيف لجريمة اجتياح بيروت، وأن لا يلجأ الى مثل هذه الخفة في التعامل مع خطيئة جسيمة ارتكبها الحزب في لحظة عدم اتزان للتعامل مع الآخرين، لكي يتفادى الحزب مزيداً من الخسارة التي لحقت به من جراء انكفائه عن مهمة مقاومة اسرائيل، والاستدارة الى توجيه سلاحه الى اللبنانيين في الداخل، وتحديد جبهات مصطنعة بديلة للجبهات التقليدية في تلال شبعا وكفرشوبا وغيرها، بعد أن أصبح متعذراً على الحزب استعمال سلاح المقاومة في هذه الجبهات لاعتبارات إقليمية ودولية، يتعذر تجاوزها بالرغم من كل الخطب والمواقف الرنانة الجوفاء لقادة الحزب، الذين يحاذرون التطرق عن مصير التحقيقات الجارية، في اغتيال عماد مغنية، بالرغم من الوعود المتكررة لكشف هذه الحقيقة، أو التطرق لمسألة المفاوضات التي يجريها نظام بشار الأسد مع الإسرائيليين، في الوقت الذي ينعت فيه من يتحدث عن هذه المسألة بالخيانة والعمالة والارتهان للإسرائيليين والغرب معاً·
كان الأجدى لمن يسمى بنائب الأمين العام للحزب أن يعطي توصيفاً للاعتداءات التي قام بها الحزب على مناطق الجبل والبقاع، وعما إذا كانت عملاً أبيض، أو أســــود أو أحمر، ولماذا ارتكب الحزب مثل هذه الاعتداءات في هذه المناطق ونتائجها وأهدافها؟ ولكنه لم يفعل، وإنما اكتفى بهذا التوصيف المبسط لجريمة اجتياح مدينة بيروت، في معركة افتعلها حزب الله، لتبرير انتصار وهمي لمعركة لم تحصل أساساً، وكانت نتائجها الفعلية الإمعان في تمزيق الوحدة الإسلامية وتعميق الشرخ القائم بين المذهب، وإقامة المزيد من الجدران المفروضة بين اللبنانيين وتعميق الفرز المذهبي فيما بينهم· لم يحدد الشيخ قاسم، اذا كان العمل الموضعي النظيف الذي عناه في توصيفه لجريمة اجتياح بيروت، يشمل اقدام عناصر من "حزب الله" على حرق ونهب وتدمير المؤسسات التربوية والثقافية والصحية والاجتماعية التابعة لمؤسسات رفيق الحريري في العاصمة، ام انه يدخل في اطار النهج المدروس لاستكمال القضاء على كل ما يمت الى ارث الرئيس الراحل وانجازاته في تطوير الناشئة وتعليمهم، بعدما حاول "حزب الله" شل الوسط التجاري وتقطيع اوصال العاصمة التجاري من خلال احتلال وسط بيروت لضرب انجازات ارث اعادة اعمار مدينة بيروت منذ ما قبل عام ونصف بايعاز خارجي مدروس·
ولكن مهما حاول الشيخ قاسم تصوير جريمة اجتياح مدينة بيروت البربرية، بالعمل الابيض الموضعي، الا انه لا يستطيع محو هذه الجريمة السوداء من سجل ممارسات وارتكابات "حزب الله" الطويلة في الحرب الاهلية الداخلية التي تمت تحت ستار
المقاومة، بدءاً من تصفية نخبة من المفكرين ورموز المقاومة وتحرير الضاحية الجنوبية من حركة امل، وخطف الاجانب
وغيرها من الممارسات التي لا تعد ولا تحصى، وبيروت العاصمة بقامتها الكبيرة ومكوناتها تبقى عصية على من تجرأ او يتجرأ عليها، كما هو وضعها حالياً·