#adsense

لقد سمعك!

حجم الخط

لقد سمعك!

الأبونا الكادح، الطالع جبالاً والنازل ودياناً بحثاً عن فقيرٍ ومريضٍ وبائس، بصمت وصلاة قلبية، وبعزم وصلابة وإلحاح على تكثير خراف المسيح، لم يترك هدية لم يوزعها، لتبقى يداه ملء الهدايا، ها هو اليوم يعود إلينا، هدية من السماء الى أرض وشعب، والى الكنيسة جمعاء.

"يسعدني أن أرى أنه يتم التعريف بهذا الخادم الكبير لله المكرّم أبونا يعقوب. فخلال عملي في دعاوى القديسين كانت دعوى تطويبه من تلك التي تأثرت بها أكثر من سواها. فإن المبرّات غير العادية التي قام بها تجعلنا نأمل بأن لن يطول الوقت حتى نراه مُعَدًّا ليكون شفيعًا لشعب الله". التوقيع: الكاردينال إدوار غانيون، عضو مجمع دعاوى القديسين ورئيس سابق للمجلس البابوي للعائلة وللجنة المجامع القربانية العالمية.

… ولم يطل الوقت: في 22 حزيران المقبل، أي بعد أيام قليلة، تقرع الأجراس للطوباوي أبونا يعقوب وتفتح السماوات فوق لبنان!

في الأول من شباط سنة 1875 غمرت الفرحة قلبَي بطرس الحداد وزوجته شمس يواكيم الحداد بولادة ابنهما الثالث خليل كما رزقا بعده خمسة إخوة. قبِل خليل سر العماد بعد عشرين يومًا من ولادته، وترعرع في كنف العائلة. وما إن بلغ السابعة من عمره حتى تنقّل في مدارس بلدته غزير، ليدخل بعد ذلك معهد الحكمة الشهير في بيروت وكان عمره آنذاك 17 عامًا.

بعدما أنهى دراسته في معهد الحكمة، علّم اللغة العربية في معهد القديس مرقس في الإسكندرية ـ مصر حيث التقى كاهناً كان سبب دعوته ليعوّض عن سلوك لا يليق بما يتطلبه التكرّس الكامل ليسوع المسيح، عاقدًا العزم على أن يصبح كاهناً ليكفّر عن سلوك ذاك الكاهن. رجع الى لبنان وأعلم والده بعزمه على دخول دير الابتداء للرهبان الكبوشيين في دير مار أنطونيوس البادواني (خاشبو) ولم تُجِد معارضة والده نفعًا. أخذ خليل في الرهبنة اسم "يعقوب"، معاهدًا الرب: "لقد دخلت حيًا، ولن أخرج إلا ميتاً".

الكهنة والمبتدئون، وكلهم فرنسيون، أعجبوا بتفانيه وتقواه ومحبته وطاعته. لم تمنعه دروسه الفلسفية واللاهوتية عن التكرّس لأشغال ادير، والعمل الرسولي في القرى المجاورة. أنهى السنة الرابعة في اللاهوت في دير "القريّه" الواقعة بين بحمدون وحمانا، الذي كان مصنعًا لغزل الحرير، وجُهّز من ثم ليحل محل دير القديس أنطونيوس الذي ضاق بعدد الإخوة الوافدين من فرنسا.

وتهيأ لأهم يوم في حياته، يوم سيامته الكهنوتية. "سيدي، امنحني أن أحتفل مرة واحدة بالذبيحة الإلهية، وبعدها خذ روحي. حينها فقط سأفرح وأتعزّى". في الأول من تشرين الثاني سنة 1901 سيم كاهناً بوضع يد القاصد الرسولي المونسنيور دوفال. وفي اليوم التالي، احتفل أبونا يعقوب بقداسه الأول في قريته، بالرغم من الأحداث التي اعترضت طريقه وكادت أن تودي بحياته. ووسط ابتهاج عائلته وأهالي القرية، غمره شعور بعرفان الجميل خاصة تجاه أمه التي قالت لأولادها يومًا وهي تحدق إليه بعينيها المشعّتين: "كم ستكون سعادتي كبيرة فيما لو أصبح أحدكم كاهناً".

لدى عودته الى القريّه، عهد إليه رؤساؤه بكل المهام المادية والمالية، وعيّنوه قيّمًا عامًا على أديرتهم الخمسة في بيروت والجبل. لذا كان عليه التعامل مع الدوائر الإدارية، والتنقل دائمًا على الطرقات. وقد جاء في مذكراته أنه ولمرات عدة اعتُدي عليه وضُرب وهُدِّد بالموت وسُقي سمًا… لكن الصليب واسم يسوع كانا يخلصانه دائمًا بأعجوبة.

سنة 1905 عُيّن مديرًا لمدارس الكبوشيين في لبنان، فاستحدث فكرة إنشاء مدراس صغيرة تحوي في صفوفها عددًا قليلاً من التلامذة، بدلاً من المدرسة الواحدة الكبيرة. ابتداء من سنة 1910 أسس 230 مدرسة فاق عدد طلابها على الـ 7500 طالبًا.

كان أبونا يعقوب موهوبًا بتنظيم رحلات الحج والزياحات، الاحتفالات الرسمية، وخاصة المناولات الأولى وكان يردد: "ازرعوا برشاناً، تحصدوا قديسين". أجمل ما وهبه الله هو الوعظ والإرشاد. فكان يُعِدّ عظاته ليلاً أمام القربان الأقدس، وقد كتب ما يقارب ثمانية آلاف صفحة، وكان يُدعى للوعظ في سوريا والعراق وفلسطين…

أسس في بيروت الرهبنة الثالثة الفرنسيسكانية التي انتشرت في كل لبنان. كان فرحه كبيرًا بزيارة لورد وأسيزي ورما حيث قابل الباب القديس بيوس العاشر. كان مدركاً أهمية الإعلام، فأنشأ سنة 1913 المجلة الشهرية "صديق العائلة".

بسبب الحرب التي نشبت سنة 1914، غادر الكبوشيون الفرنسيون لبنان وأوكلوا الى أبونا يعقوب مسؤولية الرسالة، فقام بها بشجاعة وكفاءة وعناية قلّ مثيلها بين الناس. أعباؤه الجديدة هذه لم تمنعه من الاهتمام بالثالثيين، وتوزيع الخبز على الجائعين، ودفن الموتى المرميين في الشوارع. وكانت العناية الإلهية معه. لقد نجا مرات عدة من حبل المشنقة، ومن السجن والاعتقال. فالسلطات العثمانية كانت تريد تصفيته لكن الأحداث كانت دائمًا لصالحه.

افتقر حتى العوز ولم يعد لديه ما يشتري به شمعة لقداسه، ولما قرر أن يُعيد مفاتيح الرسالة الى القاصد الرسولي، غادر الأتراك فجأة البلاد بعد إعلان انتصار الحلفاء. عاد الآباء الفرنسيون الى لبنان، وأنشأ الكبوشيون مياتم ضمت مشاغل لنساء القرى وفتيانها، فأخذ أبونا يعقوب على عاتقه، وهو المتمرّس بالأعمال، هذه المهمة الجديدة.

فكرة رفع صليب كبير على هضبة من هضاب لبنان لتصبح مركزًا لتجمّع الثالثيين، وللصلاة عن نفوس الذين ماتوا خلال الحرب، وللصلاة من أجل المغتربين، ملأت حياته: الهضبة التي اختارها في جل الديب كانت تحمل اسم "تلة الجن"، فأصبحت "تلة الصليب" حيث وضع فيها حجر الأساس سنة 1921. بدأ بتشييد كنيسة على اسم "سيدة البحر"، وأقام فيها تمثالاً للعذراء مريم، عند قدميها سفينة تحمل مسافرين، ورفع الصليب عاليًا مطلاً على الشاطئ. وعلى هضبة عالية في دير القمر رفع أبونا يعقوب صليبًا مماثلاً.

دُعي أبونا يعقوب مرة لسماع اعتراف كاهن مريض في إحدى المستشفيات، فصُدم بما رآه، إذ لم تكن العناية اللازمة متوفرة للكاهن وكان غير قادر على ممارسة الطقوس، وحالته تستدعي الشفقة، فأخذه الى "سيدة البحر" وبدأ المطارنة يرسلون إليه كهنة آخرين، مسنين ومرضى… وأدرك أبونا يعقوب ما تحتاجه تلك المشاريع من تكرّس وتفانٍ وعطاء، فأسس جمعية بمعاونة الراهبات الفرنسيسكانيات للحبل بلا دنس ـ اللونس لوسونيه، اللواتي أعددن معه بعض الفتيات الثالثيات والمعلمات. وكانت إحداهن ماري زغيب أول منتسبة ومتطوعة في هذه الجمعية.
سنة 1951 تحول مستشفى الصليب الى مستشفى متخصص. ذاع صيته في الشرق، وهو أكبر مركز للطب العقلي والنفسي في يومنا ومركز جامعي وأكاديمي. كما أسس أبونا يعقوب أيضًا: مدرسة القديس فرنسيس في جل الديب، مستشفى راهبات الصليب في دير القمر، دير سيدة البير في بقنايا، مستشفى السيدة في أنطلياس، مستشفى القديس يوسف في الدورة، مدرسة راهبات الصليب في برمانا، دار المسيح الملك في ذوق مصبح، حيث يرتفع تمثال للمسيح الملك بطول 12 مترًا. بينما كان العمال يحفرون الأساسا اكتشفوا مغارة، فهتف أبونا يعقوب: "انها لملكة الكون". تستقبل هذه الدار الكهنة المرضى والمسنين. دار فريدة من نوعها بحسب شهادة الكرادلة والأساقفة الذين زاروها من كافة أنحاء العالم ورأوا فيها غرفة انتظار للسماء.

قلّدت الدولة اللبنانية أبونا يعقوب أوسمة عديدة، كما وأثنت السلطات الدينية والمدنية على رسول الرحمة. في صباح يوم السبت 26 حزيران سنة 1954 قال: "إنه يومي الأخير"، فتناول القربان المقدس ونام، وفي الساعة الثالثة من بعد الظهر ارتفعت روحه الى باريها وشفتاه تتمتمان: "يا يسوع، يا مرم، يا مار يوسف، يا صليب الرب، يا حبيب القلب".

أعلنت الإذاعة والصحافة والأخباء المتناقلة والدقات الحزينة لأجراس كنائس القرى نبأ وفاته، فتدفق الناس بالألوف الى دير الصليب يبكونه ويصلون لأجله وليتبركوا بلمس جسده معترفين بخطاياهم… قال فيه آنذاك السفير البابوي المونسنيور جوزف بلترامي: "إنه أعظم رجل أعطاه لبنان في أيامنا".أعلنه قداسة الباب يوحنا بولس الثاني مكرّمًا سنة 1992.

كان الأبونا غسان يحتفل بالذبيحة الإلهية وسط مجموعة سيدات حملن همومهن وأوجاعهن وحزنهن، مجموعة لا تتخطى أصابع اليد، قصدت بيت الأبونا يعقوب في غزير للمشاركة في القداس الأسبوعي بعد ظهر كل ثلاثاء، كان هو يتلو الإنجيل والكلام الجوهري، وهي بصمت تمسح دمعة تلو دمعة وتخبئ رأسها بين يديها… بصعوبة تقدمت من المناولة لتعود وتقف أمام المذبح الحجر في الكنيسة الصغيرة التي استحدثت في البيت، وتذرف مزيدا من الدمع… انتهى القداس، توجهت الى سرير الأبونا يعقوب، ركعت بقربه، مرّغت وجهها على شرشفه الأبيض وهي تخبط على صدرها برجاء ما فوقه رجاء، رسمت إشارة الصليب وخرجت الى الشرفة المزهرة المطلة على خليج جونية…

هنا ولد أبونا يعقوب، هنا شبّ الى جانب والدته شمس، راهبات الصليب رتبن البيت، ونظفنه بعد ترميمه وتأهيله، أشبه ببيت العريس، وراهبات الصليب والأخت ماري ـ كولومب مشهورات بترتيبهن ونظافتهن وحرصهن تماما كما إيمانهن…

إحداهن ربتت على كتف تلك الباكية، وتمتمت في أذنها: سيسمع صلاتك وسيستجيب. آمين!

 

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل