تمنى تركيز صليب على كل قمم لبنان
"بونا يعقوب" دربه مشع … نحو القداسة
كل من عايشه كان يشعر انه سيصبح قديساً… انه بونا يعقوب الحداد الكبوشي، الراهب الصالح والكاهن الغيور، المتواضع والوديع والمتجرد الذي كان يسبح ويتضرع دوماً الى الرب ويكثف الصلاة عند المصاعب فتستجاب دعواته، حتى قيل عنه "انه دائما مع الله والرب دائما معه".
على درب القداسة
بعد دراسة دامت اكثر من سنتين لحادثة شفاء السيدة ماري قطان من مغدوشة، المنسوبة الى المكرم الاب يعقوب، والتي كانت مصابة بداء السرطان، تمّ الاجماع في كل من لبنان ومجمّع دعاوى القديسين في روما، على ان الشفاء يحمل طابع الاعجوبة. واكد الاطباء ان المصابين بهذا النوع من المرض يموتون حتما بين ستة اشهر وسنة.
وكان ابن شقيق السيدة قطان المقيم في كندا عمد الى تلاوة تساعية الاب يعقوب طالبا شفاءها، فنالت الشفاء المذهل والسريع والمستمر بشهادة مجموعة اطباء اختصاصيين في لبنان وايطاليا.
وانطلاقا من هنا، اقرّت الجمعية العادية للكرادلة والاساقفة ومجمع القديسين في روما خلال اجتماع لها، اعجوبة الاب يعقوب الكبوشي مؤسس جمعية راهبات الصليب، مع السيدة ماري قطان. واكد المجتمعون بالاجماع ان شفاءها من داء السرطان خارق للطبيعة، وسيسبق عملية تطويب الاب الكبوشي توقيع البابا بينيديكتوس السادس عشر القرار وتعيين تاريخ التطويب.
قداسة العائلة
ابن بلدة غزير الكسروانية، ولد في الاول من شباط عام 1875، وسميّ خليل وتقبل سر العماد في كنيسة سيدة الحبشية في 21 شباط من العام نفسه. والده بطرس صالح حداد، وامه شمس يواكيم حداد، وهو الثالث من عائلة بلغ مجموعها 14 ولدا بينهم توائم ماتوا اطفالا، وعاش ثمانية.
كان والده يعمل في الخياطة للرجال، ورغم اتكاله على الله، لا يفارقه الهمّ المتواصل لتأمين معيشة ابنائه. اما والدته فهمها زوجها وبيتها وتربية اولادها الذين كانت تجمعهم، كل مساء، للصلاة ركوعاً امام صورة العذراء. وفي بعض المناسبات كالشهر المريمي في ايار، كانت الصلاة اطول: المسبحة، الطلبة، ونشيد ام الله ترتله شمس وهي حاملة صحنا عليه جمرة وبخور. اما المسبحة التي رافقت شمس حتى بلغت 95 عاما، فتركتها تذكارا ثمينا لإبنها: "يا ابني، في ساعات الشدة، صلّ بمسبحة امك".
التحق خليل في السابعة من عمره بمدرسة مار فرنسيس الابتدائية للآباء الكبوشيين في غزير، فكان التلميذ المثالي وعيّنته الادارة مسؤولا عن المكتبة. ثم التحق بمدرسة الحكمة في بيروت، لا همّ له سوى الدراسة من الصباح الى المساء. وبعد انتهاء السنة الدراسية اطلت الرزقة للطالب الشاب والوالد الطموح حيث سافر الى الاسكندرية وعيّن استاذا للغة العربية في مدرسة "سان مارك" لاخوة المدارس المسيحية.
صوت الرب وكاهن المستقبل
في ساعات فراغه، كان الاستاذ النشيط يعطي دروسا اضافية للمصريين الاثرياء، فيسارع ويرسل الى ابيه راتبه الشهري الذي كان يشكر ربه لتحسن اوضاع العائلة. الا ان حسابات الله كانت غير حسابات بطرس، وقد انطبقت اكثر على حسابات شمس كون حدسها البعيد كشف لها ان ابنها سيكون كاهن المستقبل، ولم يكن احد من اولادها يفهم ما تقصد بقولها على المائدة "يا اولادي واحد منكم ملاك، ويا ريت بشوف واحد منكم خوري!"، ويتوقف نظرها عند خليل الذي يحتجّ: "ليش عم تطلعي فييّ انا، تطلعي بإخوتي"!
حدثان في مصر استغلتهما العناية الالهية لتُسمِعه صوت المسيح "تعال واتبعني". ففي 28 شباط 1893 دخل كنيسة القديسة كاترين ليصلي، فإذا به امام جثة كاهن فرنسيسكاني يبلغ 42 سنة، عرضوه امام المذبح حافي القدمين، مسبحته وصليبه في يده، وتحت رأسه عيدان صغيرة من الحطب اليابس. الكاهن الميت نقل الى مثواه الاخير… والاستاذ الشاب قرر في اعماق نفسه: "انا ايضا سأكون كاهنا". اما الحدث الثاني فكان مع كاهن آخر تناقلت عنه السن الناس اخبارا مشككة، لم يكن خليل يتصورها ممكنة وهو الذي عاش ضمن عائلة مقدسة. الا ان صدمته كانت قوية بعد ان تأكد من صحة الاقاويل، وكانت ردة فعله اقوى: "سأصبح كاهنا لأعوّض عن هذا البائس".
رجع خليل مع انتهاء السنة الدراسية الى الوطن، وواجه والده بقراره بعد ان وضع بين يديه صرّة ذهب حصيلة اتعابه في مصر، فزاد الاب اصرارا على رفض مشروع ابنه، بعد ان بدأ بمساعدته في معيشة اخوته. ومما زاد من رفضه، اختيار ابنه للإنضمام الى الآباء الكبوشيين الذين يمرون دائما من امام منزله حاملين المؤن على اكتافهم، وينتعلون صيفا وشتاء حذاء مقطعا من الخشب، وهم دائما من دون جوارب ولا كنزات.
راح خليل يصلي ويتوسل ويلح فيواجه بالرفض العنيد، مما دفعه الى الهرب اربع مرات الى الدير، الا ان الوالد كان يلحق به ويرجعه. ولكن في النهاية، ومع اصرار الابن وتدخل رئيس الكبوشيين، رضي الوالد مع قلب محطم ولكن ضمير مرتاح.
وسارع خليل الى الالتحاق بدير ما انطونيوس- خشباو لدراسة اللاهوت، وباشر في تلك البيئة، بعد ان اصبح يعرف بالاخ يعقوب، مرحلة التنشئة الرهبانية وفي نفسه اتمّ الاستعداد والتأهب. وبعد النذور تمّت سيامته كاهنا، وكان قداسه الاول في قريته غزير. وعيّن بعدها قيّما مسؤولا عن تأمين لوازم الدير في قريته، وبعدها عيّن قيّما عاما على اديار بيروت وبعبدات وصاليما وعبيه، الى ان عيّن سنة 1905 مديرا لمدارس الكبوشيين في لبنان.
رجل الصليب
كان الأب يعقوب رجل الصليب ورسوله وحبيبه. وكان يردد دائما: "الصليب حياتي، وهو الفراش الذي اريد ان اموت عليه… وكنت اتمنى لو تمكنت من تكريس لبنان كله للصليب، وكلما شاهدت قمّة كنت اريد ان اركز عليها صليبا، فالصليب دليلي وشعلة حياتي".
وشاء الرب ان يكافئ تقوى المتعبد للصليب بنعمة شفاء ثمينة، وكان ذلك في 14 نيسان من سنة 1950 اثناء الاحتفال برتبة درب الصليب نهار الجمعة العظيمة. يومها تبارك بالنعش ولد اصيب بالتهاب "السحايا"، مما ادى به الى الشلل، وكشف التصوير بالاشعة عن تفتّت في العمود الفقري، وفي الفقرات الاربع العنقية. وقطع الاطباء كل امل من شفاء الصبي، وامروا بإعادته الى البيت.
ويوم الجمعة العظيمة حمله والده الى دير الصليب ووضعه على المذبح، فطلب الأب يعقوب بأن يمرّرون محمل المصلوب ثلاث مرات فوقه. وفي اليوم التالي عند الظهر كانت اجراس جل الديب تقرع مبشّرة "المشلول ابن داود شديد شفي تماما"… لقد مشي بكل عافية ويردد "المسيح شفاني". اما الأب يعقوب فرأى في الحادثة دليلا عن قدرة المصلوب.
والى جانب عبادته الرئيسة للصليب، كان في حياة ابونا يعقوب حب آخر عميق لمريم العذراء، وهو القائل: "لو كان يجوز ان نعبد القديسين، لكنت عبدت مريم".
صدر من حديد وقلب من عسل
كل الذين دنوا منه ونعموا بابتسامته العريضة ونظره العميق، يعترفون بأن هذا الرجل ليس كباقي الناس، بل انه اقرب ما يكون شكلاً، الى انبياء العهد القديم يطل بمهابة وجلالة.
افضل الاماتات لديه ما كان يدّخره له يومه من آلام ومتاعب، والسير في الجبال والوديان واحتمال البرد والحر، الى جانب التقيّد بالعمل المطلوب واحتمال كل شيء حباً بالصليب. وعن طعامه، تقول احدى الراهبات: "بقيت خمس سنوات في المطبخ ولم اتوصل الى معرفة الأكلات التي تعجبه والتي لا يفضلها، وما نعرفه انه لم يكن يأكل الفريز والتين، ولا يذوق البطيخ قبل عيد مار الياس في 20 تموز". كما لاحظ إخوته الكبوشيون كيف كان يغافلهم على المائدة، فتمرّ اصناف الطعام من امامه فيأخذ من بعضها، ويترك البعض الآخر من دون ان يلفت نظر احد.
اما عن نومه، فتخبر الراهبات انه ايام الصيف، ورغم الحاحهنّ، لم يكن يستعمل "الناموسية"، فكان البعوض يمعن فيه عقصاً ليبدو في الصباح مكسوّاً بالبثور وكأنه مصاب بالجدري. ويبرر اهماله للناموسية بطرافة: "لعل البرغش يتلهى بي، فلا يذهب الى بناتي الراهبات ويؤذيهنّ".
وتخبر راهبة اخرى انها اكتشفت يوما مِجلدة من الحديد في غرفته، عبارة عن سلسلة من خمسة فروع يجلد جسده بها، فخبّأتها الا انه "وبخنّي واستعادها وخبّأها من جديد". وتضيف احدى الراهبات: "لم يكن يظهر انزعاجه عند ملاقاة المصاعب، بل يزداد فرحه، وعندما نراه اكثر فرحاً نتساءل عما اذا حلّت به مصيبة جديدة". وكان يوصي الراهبات دائما بالقول: "يا ابنتي اياك والحزن، الحزن من الشيطان، ابعدي عن رأسك الغمّ والهموم، فالحزين لا يدل على انه مستسلم لإرادة الله، اما انا فقد طلبت من الله ان اموت بعد ان اكون ضحكت من كل قواي. فلا تكوني حزينة لأن القديس الحزين قداسته حزينة".
رجل الصلاة هذا الذي تميز بالاتزان والشجاعة والصلابة امام المحن، لم يكن يهمه شيئا ولم يخاف احدا. وكان يردد "يهمني اولا راحة الضمير، ولتكن مشيئته"، كما اشتهر ايضا بخفّة الظل وببراءة النكتة.
الرسول المتجوّل
اسس الراهب المتجول مجموعة من المدارس في لبنان، وفي جولاته التفقدية عليها كان الكهنة يتسابقون للحصول على خدماته. كما وصف بالواعظ الحكيم الذي يمشي في الليل اكثر من النهار ليلحق باكرا بالمراكز المقصودة، ويحمل حقيبة على كتفه فتركت مع الزمن اثرا داكنا على كتفه. وكان يقطع مسافاته كلها وهو يصلي ويحضّر عظاته بإتقان وهو يتأملها في عتمة الليل امام القربان ورأسه بين يديه.
ونظرا لشهرته وثمار مواعظه، طلبه الكهنة من خارج لبنان فلبى الدعوة من دون تردد لاسيما الى تركيا وبغداد والقدس والاردن. ومع اندلاع الحرب العالمية الاولى، عنيّ الاب يعقوب بإنشاء المياتم لإنقاذ المشردين الى جانب تأمين الاعاشة للجياع. وبعد ان فرغ من تقديم المساعدات والاسعافات عاد الى نشاطاته السابقة، واخذ يعمل لتحقيق مشروع قديم راوده وهو مبتدئ في غزير، بأن يرفع صليبا جبارا على احدى قمم جبال لبنان. واخذ يفتش عن المكان المناسب، فوقع اختياره على قطعة ارض في جل الديب، فاشتراها وسماها "تلة الصليب".
وبدأ يستقبل في الدير كهنة عجزة اضافة الى الذين فقدوا رشدهم، واوصى الراهبات قائلا: "اياكم رفض كاهن يقرع باب ديرنا، واذا لم تتيسر له غرفة، اعطوه غرفتي، فالكاهن هو المسيح على الارض ويلزم احترامه وتكريمه".
وبعد ان اظهرت الراهبات الفرنسيسكان اندفاعا منقطع النظير لخدمة الكهنة، سرعان ما تبيّن للأب يعقوب ان توسيع المشروع يقتضي عددا اكبر من الايادي التي تعمل، مما جعله يسأل: "لماذا لا اؤسس جمعية لبنانية تمتاز بالمزايا اللبنانية وبروحانية الاب فرنسيس ورهبانية الكبوشية؟". وبعد فترة وجيزة انضمت اليه بنات طيبات كنّ النواة الاولى للرهبانية الجديدة. وفي 16 شباط 1932، تركت الراهبات الفرنسيسكانيات دير الصليب، واصبحت "جمعية راهبات الصليب" مستقلة تدير نفسها بنفسها، وتؤسس مشروعا تلو الآخر.
وما ان انتهى الاب المؤسس من بناء مزار سيدة البحر في جل الديب، باشر بتحقيق مشروع مماثل في بلدة دير القمر، وبيت للمتسولين، وبيت العناية الالهية في حي الجميزة، وكنيسة الجلجلة… الى ان تمكن من تحويل دير الصليب الى مستشفى للأمراض العقلية والنفسية، وكان يقول دوما: "الله هو الذي اسس الجمعية، ويعرف ان يدبر لها حاجاتها". واستمر في الاعمال الخيرية، فأسس مشروعا للبرص، وآبارا لتخزين مياه سيدة البئر بالقرب من دير الصليب، اضافة الى تنظيم مياه برمانا…
والى جانب مشاريعه كافة، كان لا همّ للأب يعقوب سوى بناته، وكان يردد دائما: "اريدكنّ زينة لبنان، زينة لكل الرهبانيات، اريدكنّ كاملات فافرح بكنّ… احبوا يسوع، وحبوا بعضكن… طالما انتن على اتفاق لا احد يقدر عليكن. اريد ان تضحي كل واحدة بحياتها في سبيل اختها… اريدكن قديسات".
دير يسوع الملك
في السنوات الاخيرة من حياته، عادت وتركزت في رأس الكاهن الكهل فكرة قديمة العهد سيطرت عليه بشكل كلي، وتتمثل برفع تمثال جبار لقلب يسوع على احدى قمم لبنان. فكان له قبل موته ما اراد، حيث رفع تمثال "يسوع الملك" على قطعة ارض مساحتها ثلاثون الف متر على تلة تدعى "خرائب الملوك" عند ساحل كسروان. وكان الهدف من المشروع، اضافة الى تكريم يسوع الملك، نقل الكهنة العجزة من مستشفى الصليب الى جوار قلب يسوع.
… واسلم روحه
ابتداء من العام 1945، بدت اشارات تحوّل ملحوظ في صحة "بونا يعقوب" العامة. وبعد ان فقد السمع بدأ يعاني فقدان النظر بسبب السهر الطويل لتهيئة المواعظ وتأليف الكتب او تحرير الرسائل، وهو الذي يكتب بخطه الصغير واحرفه المتلاصقة بشكل يؤلم العين. واستمر حاله بالتردي الى ان زاره المرض الاكبر اذ اصيب بسرطان الدم، وسط قلق كبير وخوف اعترى الراهبات. الا ان ردّة فعله كانت فرح كبير ممزوج بعاطفة الشكر لله "شكرا لك يا ابتي، حبذا لو علمت بهذه البشرى قبل الآن، فكم هي تعزيني وتبهجني". وقبل دنو اجله طلب من الراهبات واصرّ على وضعه على الارض ليموت مثل الفقراء.
ساءت حال رسول المحبة "بونا يعقوب" يوم الجمعة 25 حزيران 1954، يوم عيد قلب يسوع، وصباح اليوم التالي قال: "هذا آخر نهار… يا الهي بين يديك استودع روحي". واسلم الراهب المناضل روحه الى خالقه تمام الثالثة بعد الظهر، وهو يقبل صورة امه العذراء، فهل ينضم "بونا يعقوب" الى قافلة السماويين… قديسا جديدا من لبنان؟!