#adsense

كان الله في عون سليمان… واللبنانيين

حجم الخط

كان الله في عون سليمان… واللبنانيين

كان الله في عون الرئيس الجديد للجمهورية العماد ميشال سليمان. فالشعوب اللبنانية تطلب منه الكثير لانها تحتاج الى الكثير سواء في الامن او الاستقرار او الاقتصاد، بل في كل الامور الاخرى وتتوقع منه الكثير لانه اثبت اثناء قيادته الجيش قبل الانسحاب السوري من لبنان فهمه للوضع اللبناني بخلفياته الاقليمية والدولية وتكيّفه مع قدراته والقدرات المحدودة لبلاده، ولانه مارس بعد الانسحاب نفسه اي توازنه وتواضعه وحكمته ولبنانيته وعروبته وايمانه بالعلاقة مع سوريا، ولكن من موقع النديّة والتكافؤ. علماً ان كل هذه المزايا لم يشوهها طموحه المشروع الى رئاسة الجمهورية وخصوصاً انه لم يبذل في سبيل الوصول اليها ماء الوجه ولم يسفح الكرامة الشخصية او كرامة المؤسسة العسكرية رغم التفاهمات المتنوعة التي نأمل الا تكون متناقضة والتي توصل اليها قبل الانتخاب سواء مع الناخبين الكبار او مع الناخبين الصغار، هذا اذا كان يجوز تصنيف هؤلاء ناخبين. ولكن قبل ان تطلب الشعوب اللبنانية من الرئيس سليمان الكثير، وقبل ان تتوقع منه الكثير، عليها ان توفّر له الدعم والحماية والاسناد كي يتمكن من تحقيق كل ما يريد او يريده منه الناس. ولا يبدو ان في استطاعتها ذلك، لانها منقسمة على ذاتها ومتقاتلة ومتناحرة ليس فقط لان قياداتها تقودها في طرق الفتنة والخلافات والحروب، بل لان ما يعتمل في عقولها من رواسب قديمة وحديثة ومن تراكمات تختلط فيها الحقيقة بالاوهام والاساطير والخرافات والمعتقدات والغيبيات والاديان والمذاهب والطوائف – لان كل ذلك يجعلها عاجزة عن توفير ما يحتاج اليه الرئيس الجديد للعمل، بل لتجنيب عودة لبنان الى الحرب أو رافضة لتوفيره وتالياً واقعة في تناقض كبير.

طبعا لن نخوض في كل ما يطلبه الناس والسياسيون والقادة والزعماء الاشاوس من كل الاتجاهات من الرئيس العتيد، بل سنكتفي بالحديث عن طلبين معقولين نظرياً ومستحيلين عملياً. الاول، الطلب من القوى الامنية والعسكرية الضرب بيد من حديد على المخلين بالأمن الذين يهددون التوافق الوطني الذي حصل في الدوحة ويوشكون ان يدخلوا لبنان الآن الحرب الاهلية وتحديداً المذهبية.

والسؤال الاول الذي يتبادر الى الذهن رداً على هذا الطلب هو: اين هي اليد الحديد للدولة اللبنانية؟
والجواب لمن يقول انها موجودة هو انها موجودة لكنها ليست من حديد بل من قطن لان لا وحدة وطنية تحميها، ولا دولة فعلية توجهها، ولانها خضعت في الماضي وهي خاضعة الآن للاختلاف العميق بين الشعوب اللبنانية ليس على وسائل تدعيم الوطن وتثبيت الدولة وتأمين رفاه المواطن وحقوقه، بل على وجوده وهويته وانتمائه ودوره وصيغة الحكم فيه. فضلاً عن ان حديد هذه اليد، ولو توافرت، لن تكون قادرة في ظل شبح الحرب الاهلية المتنقل بين الزواريب والاحياء والقرى على ان تضرب كل المحرضين عليها والنافخين في نارها في كل هذه الاماكن في وقت واحد. وما قاله وزير الخارجية الايطالي الجديد من ان لا جيش في لبنان ولا حكومة صحيح رغم مسارعة ممثله في لبنان الى نفي ذلك. لكنه ناقص اذ ليس في لبنان دولة كي يكون فيها جيش وحكومة وكل المؤسسات الاخرى. ولم تكن فيه دولة في الماضي الا في الشكل، وانهيارها المتكرر كان الدليل الساطع على ان بناءها كان على رمل ومن دون اساسات، وكذلك كانت اعادة بنائها بعد كل انهيار لها.

اما الطلب الثاني فهو التشديد على الرئيس الجديد ميشال سليمان ان يكون رئيساً تأسيسياً كي لا يتحول شارل حلو او الياس سركيس آخر. الاول وقع في فخ الفلسطينيين. والثاني، في فخ الميليشيات اللبنانية. والجواب عن هذا الطلب هو، بعد الاشارة الى ان طبع الرئيس وشخصيته وثقافته ونشأته ومحيطه تلعب دوراً مهماً في قيامه بعمله اياً يكن الموقع الذي يحتله، هو بالسؤال الآتي: هل كان الرئيس الراحل شارل حلو يقع في الفخ الفلسطيني لو كان اللبنانيون غير منقسمين على الاساسيات وفي مقدمها الشراكة في الحكم وهوية الدولة والشعب ونهائية الكيان او عدم نهائيته، ولو كانت القوى الامنية والعسكرية اللبنانية معزولة عن الناس وتالياً قادرة على القيام بمهماتها في المحافظة على النظام العام والامن والدستور؟ وهل كان الرئيس الراحل سركيس يقع في فخ الميليشيات على تنوعها لو لم تحل شعوب لبنان وطنها ساحة لحروب الخارج الصديق والشقيق والعدو، كما تحول نفسها ادوات مصدقة في البداية ان كلا منها ستحقق طموحاتها الكبرى، وعندما صدمها الواقع المكيافيلي الخارجي على تنوعه كانت صارت أسيرة بالكامل.

وهل تعلمت هذه الشعوب من تجارب الماضي كلها ولذلك ستساند الرئيس سليمان لاعادة بناء الدولة والمؤسسات والبلاد؟
الجواب تعطيه التطورات الميدانية. وهو سلبي، اي لم يتعلم اي منها رغم محاولات البعض السير في اتجاه الدولة والوطن التي احبطها ولا يزال استمرار رهان البعض الآخر على الخارج المُفَتِت من شقيق وصديق وعدو الامر الذي اضطره الى مواجهته بالاسلوب نفسه اي الاعتماد على الخارج "الآسر" وممارسة المذهبية في مواجهة المذهبية الاخرى. علماً ان لكل من الاثنتين قناعاً واحداً ايديولوجياً إسلامياً وآخر وطنياً لبنانياً. في اختصار ان من يريد وقف انزلاق البلاد نحو الفوضى الامنية لا يعرقل تأليف الحكومة. ومن يريد اعطاء اللبنانيين املاً، وإن موقتا، بالمستقبل يبدأ فوراً تشكيل الحكومة بحوار يشمل كل شيء بما في ذلك الخطة الدفاعية او الاستراتيجيا الدفاعية ولا ينتظر كي يبحث في الاخيرة انتهاء احتلال مزارع شبعا وامور اخرى، فذلك قد لا يتحقق في المستقبل المنظور. وعندما يتحقق، اذا تحقق، فقد لا يكون لبنان على قيد الحياة او اللبنانيون، ولا موجب لربط الحوار حول الخطة بالانسحاب لانها كما تقول المقاومة واسيادها من شقين واحد للمقاومة وآخر للدفاع. والشقان متلازمان، طبعاً نُقل عن لسان الرئيس سليمان ما يفيد انه سيبحث في ذلك بعد استكمال التحرير. وقال الزعيم الدرزي الابرز وليد جنبلاط قبل يومين ان البحث في هذا الامر يجب ان يبدأ فور تشكيل الحكومة. فهل في ذلك ملامح خلافات حول هذا الموضوع؟
كان الله في عون اللبنانيين.

المصدر:
النهار

خبر عاجل