واضحة ومفهومة!
مرة جديدة يتم النفخ في ابواق أحرجوه فأخرجوه !
لكن الذين اشتهروا دائما بالسعي الى تلبّس موقع الضحية، باعتبار ان الضحايا تستدرّ العطف وتحظى بالمؤازرة لأن الانسان لا يحب المظالم، يفوتهم الآن ان الشمس طالعة والناس قاشعة وان المستهدف الحقيقي بـ"الاحراج" هو رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان وليس الجنرال ميشال عون.
والقصة واضحة ومفهومة ومكشوفة رغم كل ما تحاط به من التمويه السياسي والاطناب في الحديث عن المحاسن والاهداف النبيلة.
القصة واضحة لأن الرئيس المكلف فؤاد السنيورة ارسل الى كل القوى السياسية تشكيلة تستند بأمانة الى "اتفاق الدوحة" الموقّع من الجميع، وباعتماد قسمة دقيقة وعادلة في توزيع النسب، مع الحرص على تحديد نوعية الحقائب (سيادية او خدماتية او وزراء دولة) ومن دون تحديد اسم الحقيبة او شخصية من سيتولاها حرصا على توفير اقصى حد ممكن من الرحابة امام الاختيار، تسهيلا للتفاهم على الحكومة العتيدة.
❑ ❑ ❑
ليس في الامر، كما تم توزيعه، اي احراج او اخراج او قطب مخفية. ففي الحكومة الثلاثينية 22 حقيبة اربع منها سيادية والاخرى خدماتية والمتبقية لوزراء دولة بلا حقائب، اذ يكفي اللقب والبهرجة والمعالي!
ولأن "اتفاق الدوحة" كرّس رئيس الجمهورية القوة الحيادية المرجحة في الحكومة، فقد اقترحت التشكيلة السنيورية اعطاءه حقيبتين سياديتين حساستين، اضافة الى وزير دولة.
بمعنى ان وزارة الداخلية تكون من حصته لاهميتها ونحن ذاهبون الى الانتخابات النيابية، وان وزارة الدفاع يجب للضرورات الامنية وبسبب شريط التوتر المتصاعد ان تكون من حصته ايضا وهو القادم من قيادة الجيش الى رئاسة الجمهورية. ثم ان التوازن يقضي باعطاء حقيبة سيادية الى الاكثرية واخرى الى المعارضة.
مثل هذا الامر ينطوي على وجاهة ويقوم على ضرورات ولا يمكن ان يناقش فيه احد، ما لم يكن مطلوبا احراج العهد في بداية انطلاقته وكبح اندفاع الرئيس سليمان وحماسته لقيادة مسيرة الحل والحوار الوطني.
اذاً تبقى وزارتان سياديتان هما الخارجية والمالية. الخارجية يتمسك بها الرئيس نبيه بري بينما يصر الجنرال عون على تمسكه ايضا بوزارة سيادية اي المالية، وهو ما لا يترك لليتامى في الاكثرية اي حقيبة من هذا النوع !
وتقضي التشكيلة المقترحة باعطاء الاكثرية 12 حقيبة منها واحدة سيادية واربعة وزراء دولة، واعطاء المعارضة 8 حقائب منها واحدة سيادية وثلاثة وزراء دولة.
❑ ❑ ❑
في الايام الماضية عندما قيل إن "اتفاق الدوحة" وقبله "المبادرة العربية" وفوق كل هذا المنطق والعدل والتوازن الوطني، لا تجيز مثلاً حصول المعارضة على حقيبتين سياديتين اي الخارجية والمالية مقابل حقيبة للاكثرية واخرى للرئيس، كان عون يقول هذه مشكلة الرئيس المكلف وليست مشكلتي، ولكأن لدى فؤاد السنيورة "مشتلاً وزارياً يقتلع ويوزع كالملفوف"!
وعندما قال عون "نريد ان نعرف لماذا يحتكرون وزارة المال والدولة غارقة في ديون لامست 45 ملياراً… ولا تحرجونا بهدف اخراجنا فهذا لن يمر"، اقترحت الاكثرية اجراء مبادلة رضائية تسهيلاً لتشكيل الحكومة وقالت خذوا المالية واعطونا الخارجية ولنتبادل الحقائب الاخرى. فالمسألة بالطبع ليست احتكاراً للحقائب.
ولكن ليس هناك من اجوبة واضحة وصريحة حتى الآن من المعارضة، لا على التشكيلة في صيغتها الاولى ولا على اقتراح التبادل في الحقائب.
ولكأن المطلوب هو الانقلاب على "اتفاق الدوحة" شرط ان يأتي هذا الانقلاب من الرئيس المكلف مثلاً باقتراح اعطاء الرئيس سليمان حقيبة الداخلية فقط لا غير، بحيث يسقط التوازن. اذ كيف يمكن اقتسام الوزارة السيادية الرابعة بعد ان تحصل الاكثرية على الثانية والمعارضة على الثالثة؟!
عقدة عويصة طبعاً بنعمة الله سبحانه وتعالى.
ولكن ليست وظيفة السنيورة ان ينسف "اتفاق الدوحة"، وهو لن يفعل بالطبع وقد وزن التشكيلة المقترحة بميزان شديد الدقة. ومن الواضح ان الذين يطالبونه بإجتراح معجزة ابتكار المستحيل يمارسون السياسة على طريقة لعبة البلياردو عندما يوجهون الكرات اليه على نية اصابة الرئيس في بعبدا !
❑ ❑ ❑
واذا كان الرئيس سليمان قد ادرك جيداً، بعد خطاب القَسم المتوازن والممتاز، ان هناك من اراد ان يكون "اول دخوله خطاباً على طوله"، والمقصود خطاب السيد حسن نصرالله، فإنه يزداد ادراكاً الآن ان الصراخ المرتفع في الرابية يريد للوجع ان يصيب بعبدا.
واضح ومفهوم. وما زلنا في بداية العهد الذي يرى عون انه ليس اكثر من لقمة وسُحبت من فمه: "من تنحّى عن رئاسة الجمهوية من اجل الجمهورية يحق له ان يأخذ وزارة اساسية".
صحيح جداً. ولكن لماذا احراج العهد والسنيورة والحليف بري؟