عن الاعتذار الذي يأتي ولا يأتي
لماذا يكرر النائب سعد الحريري القول إن ما جرى في بيروت والجبل بين 7/ 5 و21/5 جُرْح عميق يحتاج إلى مبادرات وخطوات لمداواته؟، ولماذا يتفنن مفوّهو "حزب الله" وكَتَبَتِهِ في تقليل شأن ما جرى حدّ وصفه بأنه "عمل موضعي نظيف"؟
الواقع أن دواعي اعتذار "حزب الله"، من جمهوره ومن أهالي بيروت ومن اللبنانيين عموماً كثيرة، بحسب مصادر سياسية مطلعة، فيها "اجتياح بيروت عسكرياً وترويع أهلها وقطع طرقها وتعطيل مطارها، وتطويق المقارّ الرسمية فيها، مع ما رافق ذلك من مآسٍ بقتل الأبرياء واستخدام للسلاح ضد أبناء الوطن واستباحة المؤسسات الاجتماعية والإعلامية والصحية والتربوية التابعة لـ "تيار المستقبل"، وقبل ذلك وبعده إحراق صورة رفيق الحريري ورفع صورة قاتله مكانها، كل ذلك، وأمور أخرى تتعدى الحساب المباشر للربح العسكري لِتقاربَ مسَّ الشراكة الوطنية والإنقلاب على صيغة العيش المشترك والمصير الواحد الذي لا مفرّ من الاحتكام إليه، وتتطلب خطوات سريعة من "حزب الله" حصراً (اذ البقية الذين استظلوا بسلاحه للنهب والاستباحة لم يخيبوا ظنّ أحد بهم، وتالياً فالملاحقات القضائية هي الحدّ الأدنى جزاء لما اقترفوه).
حتى الساعة لا شيء يفيد أن "حزب الله" بصدد إجراء مراجعة نقدية لما حصل، وعلى العكس فإن تعاظم خطابه التهديدي، وتماديه في رشق من لا يرى رأيه بكل نعوت العمالة والتآمر أمور تؤكد هذا التوجه. بل إن ثمة من يقول إن اتفاق الدوحة قطع على الحزب إكمال خطته التي كانت تقضي باستمرار الأعمال العسكرية في بيروت والجبل حتى إسقاط الحكومة، ثم تركيب حكومة انتقالية تشرف على انتخابات نيابية في ظل أجواء من السيطرة والترهيب تؤدي الى إنتاج معادلات سياسية جديدة تكتسب مشروعيتها من "قداسة" السلاح الذي خرجت من ظلاله لا من صندوقة الاقتراع.
ويرى أصحاب هذا الرأي أن الحزب مأزوم حالياً تجاه حلفائه الذين كانوا يراهنون على "مغانم" أعظم بعد غزوة بيروت، فإذا باتفاق الدوحة يُعيد الأمور الى توازن الحدّ الأدنى ويلزم الحزب باحترام الصيغة اللبنانية والشرعية الدستورية والمكوّنات السياسية القائمة.
وتلفت هذه المصادر الى مجموعة عوامل، داخلية وإقليمية، منعت الحزب من إكمال مهمته ودفعته باتجاه طاولة حوار الدوحة والاتفاق الذي أنجزته بعد تدخل أطراف إقليمية بالضغط على غير جهة لقبوله، لكنها تنبه في الوقت عينه على إشارات تمهد الى إعادة خلط الأوراق من جديد، واضعة الصدامات الأمنية الجوالة في بيروت والبقاع والجبل واستمرار عرقلة جهود تأليف الحكومة في هذا الإطار.
بيد أنه في تقدير الأوساط السياسية المتابعة ان الدعوة للإعتذار إنما تستبطن دعوة لتجاوز المحنة التي خلفتها الأحداث الأخيرة من باب الاعتراف بالخطأ الكبير الذي أوقع "حزب الله" نفسه فيه، للانطلاق بعدها نحو التأسيس للمرحلة المقبلة، وتشير في هذا الإطار الى أن المرحلة الراهنة تفرض على الحزب أربعة تحديات من شأنها أن تساهم في معالجة الندوب العميقة التي تركها تحركه المسلح وتثبت مدى التزامه روحيةَ اتفاق الدوحة، وخصوصاً في جوانبه المؤكدة على عدم استخدام السلاح والتأكيد على مرجعية الدولة.
أولاً: تحدي تجنيب لبنان المزيد من الفوضى وأسباب الفتنة وتأكّل صورة الدولة، فما الذي يؤخر تأليف حكومة الوحدة الوطنية التي نال فيها "حزب الله" وحلفاؤه الثلث المعطل بضغط السلاح وملامسة حافة رمي البلاد في الحرب الأهلية؟
ثانياً: تحدي الإسهام في تهيئة الأجواء الداخلية لبلورة وفاق داخلي حقيقي من شأنه حماية الحزب من أي أثمان تتطلبها الاندفاعة السورية الى التفاوض مع إسرائيل، قد تكون رأس الحزب نفسه.
فمع الاعتراف بأن أي حل على المسار السوري ـ الإسرائيلي لن يتبلور قبل فترة طويلة نسبياً ـ كما هو متوقع ـ لكن من البديهي الاعتراف أيضاً بأن الحزب وسلاحه وموقعه ودوره ستكون ـ أو هي كائنة ـ أوراقَ مساومة بين دمشق وتل أبيب، كما هي شروط مسبقة لأي راع لاتفاق سلام كهذا.
ثالثاً: وتأسيساً على ما سبق، فإن التحدي الثالث هو تحدي مباشرة حوار وطني شفاف حول مصير سلاح الحزب، تحت عنوان "الاستراتيجية الدفاعية"، كأولوية ضرورية على جدول أعمال الحوار الوطني الذي ينتظر أن يرعاه رئيس الجمهورية ميشال سليمان بعد إنجاز تأليف الحكومة.
وهنا قد يلجأ الحزب ـ وهو فعل ـ الى استباق كل ذلك بإعلان تمسكه باستراتيجية دفاع تضمن له الإبقاء على سلاحه ومربعاته الأمنية، بعدما كانت الذريعة بعد الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب في العام 2000 هي استمرار الاحتلال الإسرائيلي لمزارع شبعا وتلال كفرشوبا. لكن الحِراك الدولي الذي بدأت ملامحه تتزايد بعد انتخاب الرئيس سليمان لوضع مزارع شبعا تحت الوصاية الدولية تمهيداً لنقلها الى السيادة اللبنانية بعد حسم هُويتها، يفرض إعادة الحسابات والتصرف بما تقتضيه ضروريات المصلحة الوطنية.
وفي هذا الإطار، تلفت المصادر المتابعة الى أن قضية تحرير مزارع شبعا حضرت بقوة في المحادثات التي أجراها الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي ومن بعده وزير الخارجية البريطاني ديفيد ميليباند في بيروت، حيث تتقاطع المؤشرات حول توجه دولي جادّ لوضع هذا الملف على سكة الحل عبر تبني الامم المتحدة آلية تؤدي الى هذه النتيجة، مع ما يستتبع ذلك من ضرورة تنظيم العلاقات اللبنانية ـ السورية وما يستتبعها من ترسيم الحدود بين البلدين وتبادل السفارات، وهما أيضاً بندان منتظران على طاولة الحوار المرتقبة في بعبدا.
رابعاً: تحدي صون "حزب الله" لصورته وتاريخه اللذين تزعزعا كثيراً يومَ وجه سلاحه "المقاوم" الى صدور مواطنيه وانقلب ـ بقرار منه أو بقرار استدرج إليه ـ على كل تاريخه وصدم كل من أعجبوا سابقاً ببطولاته وتضحياته وبسالة مقاوميه يوم كانوا يوجهون سلاحهم الى العدو الإسرائيلي، كما بترفعه عن مظاهر النفوذ ومغانم السلطة وحساباتها الضيّقة .
ماذا بعد؟ تسأل هذه المصادر السياسية المتابعة، وتجيب متوجهة الى من يعنيهم الأمر: قديماً قال العقلاء: "صديقُك مَنْ صَدَقَك لا مَنْ صدَّقَك". لكنّ شركاء الوطن والدين في "حزب الله" لا يرون هذا الرأي. فهم مصرُّون على تخيير اللبنانيين جميعا بين الهيمنة أو التعطيل، بين الرضوخ أو الاتهام، بين الشارع أوِ الشارع. والشارعُ في الحالتين حربٌ على الاستقرار وعلى الشراكة الوطنية والعيش الواحد وعلى التفكير في المستقبل.
ان الذين يقولون لكم إن الإعتذار من مواطنيكم واجب وطني وأخلاقي وتاريخي، هؤلاء يصدقونكم القولَ فعلاً، أياً تكن اللهجةُ التي تنطقُ بذلك.
والذين قالوا ويقولون لكم ان ثُنائية التنظيم المسلَّح/الدولة، لا تصحّ ولا تَستقيم، تحت أي مسمّى، صدقوا ويُصدقونَكم القول. وهذه المقولةُ بعد حرب بيروت غير المظفرة أقوم وأصلحُ منها قبل ذلك. ولن يفيد في شيء الإرعاب والضغط والأدبيات المقللة من شأن ما جرى، لأن الخِيار الآخر أن نهلك جميعاً كما نحن معوّقون ومأزومون ومجروحون جميعاً الآن.
ولقد صَدَقكم القول أولئك الذين صارحوكم بأنّ الخير في التواضع والانتماء والاستقلال. وليس من الخير في شيء أن نكون ساحة أو رأس حربة لأحد. تارة لأننا لا نقدر، وطوراً لأننا لسنا وحدنا في هذا الوطن وهذه المنطقة، فامتلاك سلاح استراتيجي لأي دولة كانت في الداخل اللبناني، هي مسألة إقليمية لا حلّ لها إلا في نطاق وسياق تسويات إقليمية شاملة أو صراعات مدمرة، وفي كِلتا الحالتين لا فائدة للبنانيين في الدخول في أي من المحاور التي جلبت ولا تزال على بلدهم وعلى العرب أفدح الخسائر.
الإعتذار يَجبّ ما قبله، لكنه لا يَجبّ ما بعده. وما بعده والباقي هو نحن وأنتم واللبنانيون جميعاً الذين يريدون الوطنَ والدولةَ والحياةَ الحرةَ والكريمة والعيش الواحد، وهم جميعاً أصحاب المصلحة في أن تكونوا حزباً سياسياً عاديّاً، يشارك وبفاعلية في إقامة أو تطوير الدولة القوية والقادرة. أما الشارع المسلح والخطاب الموتور فهو لإضاعة التاريخ والمكتسبات والوطن.. فهل يأتي الاعتذار، وكيف؟.