استخدام كل الأسلحة إلا سلاح الشرعية؟
رئيس الجمهورية ليس مسجِّل عقود واتفاقات بين القوى المتصارعة على الحصص خارج الحصة المحفوظة له بموجب اتفاق الدوحة. ورئيس الحكومة المكلف ليس آلة حاسبة لتوزيع الحصص المحددة بالأرقام والمفتوحة للمطالب غير المحدودة بالنسبة الى نوعية الحقائب. فهما المسؤولان عن تأليف الحكومة. وهما يعرفان أن الحكومة لا تؤلف نفسها بنفسها. ولا هي تتألف على أيدي القوى المرشحة لدخولها والتي يصعب أن تصل، بالخيار، الى التوفيق بين مطالبها المتعارضة، ولو أخذت كل وقتها. صحيح أن الرئيس ميشال سليمان والرئيس فؤاد السنيورة يحرصان، بالاضطرار، على تذليل العِقَد بالصبر والحوار. لكن الصحيح أيضاً أن هناك عقداً تشبه (عقدة غورديان) الأسطورية التي قطعها الاسكندر المقدوني بسيفه، وتحتاج بالتالي الى حسمها بقرار يضع الأطراف أمام مسؤولياتهم تجاه البلاد والعباد عبر صدور المراسيم.
ذلك أن المطلوب تأليف حكومة، لا تشكيل (فيديرالية متاريس) طائفية ومذهبية. حكومة خطاب القسم، لا حكومة تقاسم الجبنة. حكومة تشرف على انتخابات نزيهة، لا حكومة خدمات انتخابية لوزرائها وأنصارهم. فلم نسمع، بين ما نسمعه في الزحام على الحقائب، مَن تقدم لوزارة الطاقة قائلاً إنه يملك خطة لحل مشكلة الكهرباء المستعصية منذ الطائف والتي بلغت تكاليفها وخسائرها ثلث الدين العام، إذ عجز المؤسسة هذا العام وحده هو مليار ومئتا مليون دولار. ولا قرأنا بين الأسماء أسامي شخصيات خبيرة بالمال والاقتصاد وتملك خططاً معروفة وعملية للاصلاح المالي والاقتصادي. كل ما نسمعه هو ضجيج الزحام على الحقائب كأن الإمساك أو التمسك بها هدف في حد ذاته.
وحين يضع رئيس الجمهورية معادلة واضحة قوامها (إن السياسة تأتي بالأمن، والأمن يأتي بالاقتصاد)، فإن الحد الأدنى المطلوب من التركيبة السياسية هو أن تخرج من مماحكات ما دون السياسة والأمن والاقتصاد. وعندما يكون الوضع الأمني خطيراً الى درجة الانزلاق خطوة خطوة في حرب أهلية، فإن آخر ما يضمن السلم الأهلي هو جمع المتقاتلين في السلطة. ومن المفارقات في غابة فلتان السلاح أن السلاح الوحيد الذي توضع المحاذير أمام استعماله هو سلاح الشرعية. والمفارقة الأكبر أن (احتكار العنف) الذي هو أساس أية سلطة شرعية يكاد يصبح معكوساً، بحيث تحتكر المنظمات والأحزاب العنف تاركة للسلطة دور شيخ صلح.
ما يحدث على الأرض هو جرائم موصوفة في حق الناس والدولة. وكل تأخير في تأليف الحكومة بسبب العقد، للبدء بالسياسة التي تأتي بالأمن والأمن الذي يأتي بالاقتصاد، هو غلطة سياسية يصح فيها قول تاليران: (أخطر من جريمة، إنها غلطة).