#adsense

وربّ نافعة ضارة

حجم الخط

… وربّ نافعة ضارة!

لم يكن ينقص القمة الأميركية – الأوروبية التي عقدت في سلوفينيا سوى التصفيق للاقتراح السعودي، واصدار بيان بالثناء على خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله لانه كان اول من دعا الى عقد اجتماع للدول المنتجة والمستهلكة للنفط للبحث في الارتفاع الكبير في اسعاره، وهو ارتفاع يشكل صدمة دولية قد تترتب منها تداعيات سلبية تؤذي قواعد التوازن الدولي برمته.

وفي الواقع ما ان دعت السعودية الى عقد هذا الاجتماع لدرس الموضوع والنظر في اسبابه وكيفية التعامل الموضوعي معه، حتى ثارت زوبعة من الترحيب الحماسي به.
فمن سلوفينيا صدرت التصريحات الاميركية، عندما قال الرئيس جورج بوش ان الاقتراح مثير للاهتمام، بينما اعلن وزير الخزانة هنري بولسون: "ينبغي ان يكون هذا المؤتمر المقترح بناء. انه لأمر مثير ويستحق كل ترحيب".

رئيس وزراء بريطانيا غوردون براون لم يتأخر في الاشادة، وكذلك الرئيس نيكولا ساركوزي الذي يقول ان ارتفاع سعر النفط يصيب الاقتصاد العالمي بصدمة. واذا كان وزير النفط الكويتي محمد العليم قد سارع الى تأييد الاقتراح "لان المسألة تتعلق بالمنتجين والمستهلكين ويجب ان تحظى باهتمام الطرفين لانهما في قارب واحد"، فان الاوساط الصناعية في كل دول العالم تقريبا وكذلك المهتمين بالبحث عن عناصر الاستقرار في الدول المستهلكة، وجدت ان هناك اخيرا من وجد الجسارة ليفكر في مقاربة مسؤولة لهذه الازمة التي تثير هلعا في العالم كله.

❐ ❐ ❐

وكانت اسعار النفط التي ارتفعت بطريقة خيالية تقريبا من 100 دولار الى 140 دولاراً للبرميل الواحد في اقل من ستة اشهر قد رسمت اطارا لصدمة دولية ثالثة وغير مسبوقة بعد صدمتي 1973 و1979، لكن المثير انه منذ اخذت الاسعار في القفز صعودا لم تفكر اي دولة او مجموعة من الدول المستهلكة على الاقل في البحث او بالاحرى في السعي لايجاد حلول منطقية عادلة وموضوعية.

عندما جاء الرئيس بوش منتصف كانون الثاني الماضي في جولة شملت الكويت ودولة الامارات والسعودية، لم يحمل معه اي اقتراح او فكرة مسؤولة باستثناء مطالبة الدول الخليجية المنتجة للنفط بزيادة الانتاج "لان انفاق المزيد على البنزين يؤذي بعض العائلات الاميركية وقد يدفع النمو الاقتصادي الى التباطؤ" كما قال!!
لقد بدت هذه المطالبة سطحية جدا لان انفجار الاسعار لا يعالج بزيادة الانتاج وخصوصا ان دول "أوبيك" تنتج ثلث الاستهلاك العالمي فقط، ثم ان هناك عوامل اخرى تسبب هذه الارتفاعات في الاسعار.

❐ ❐ ❐

وقبل الحديث عن هذه العوامل تقضي الموضوعية والامانة بالتوقف امام دعوة السعودية الى عقد مؤتمر جاد ومسؤول لمعالجة هذه المشكلة، ليس لان هذه الدعوة كانت سباقة بذاتها فحسب، بل لان السعودية كدولة منتجة للنفط يناسبها حصول ارتفاع في الاسعار يزيد من مداخيلها وهو امر منطقي.
ولكن خادم الحرمين الشريفين لم يكن لينظر الى هذا الامر من زاويته هذه، بل من منطلق الاحساس بمسؤولية أشمل وأعم تتصل بالحرص على تجنيب العالم صدمة عميقة تقلب الاستقرار الاقتصادي وتحول دون تفاقم الفوارق الاجتماعية بين الدول والشعوب، وبالتالي تمنع انزلاق العالم كله نحو ركود اقتصادي كبير لا يقف عند حدود وقف النمو، بل قد يصل الى التسبب في حدوث انهيارات خطيرة في مجتمعات كثيرة.

واذا كانت بعض الدول المنتجة قد اظهرت احساسا بالارتياح امام انفجار الاسعار، وعلى قاعدة "رب ضارة نافعة" فان المسؤولية بمعناها الانساني والموضوعي الاشمل هي بالتأكيد التي دفعت الملك عبد الله الى التعامل مع هذه الازمة بطريقة أبعد نظرا وعلى قاعدة معكوسة اي: "ربّ نافعة ضارة"، بمعنى ان المنفعة التي تحصل عليها الدول المنتجة بسبب ارتفاع الاسعار قد تنعكس ضررا على قواعد التوازنات الدولية كلها وما يمكن ان ينتج عن هذا من اضطرابات ومشاكل وحروب ومآس.

وامام احساس بشمولية انسانية واخلاقية وسياسية للمسؤولية، يفترض في المؤتمر الذي سيعقد في 22 حزيران الحالي في جدة ويستقطب حشدا دوليا ان يجد المخارج والحلول المعقولة والعادلة التي من شأنها وقف حال الذعر التي تصيب العالم بسبب غلاء النفط.

وقبل البحث على الاقل في الاسباب المتداولة وراء انفجار الاسعار، من الضروري التذكير بان الدعوة السعودية اعطت نتيجة سريعة عندما تراجعت الاسعار من 140 دولارا للبرميل الى 133 دولارا يوم الجمعة الماضي. ثم ان الحرص على انجاح المؤتمر سبقه قرار باظهار حسن النية تكرارا حيث رفعت السعودية انتاجها بمقدار 300 الف برميل يوميا.

❐ ❐ ❐

في اي حال، ان مؤتمر جدة سيضع المنتجين والمستهلكين والدول الصناعية امام مسؤولياتهم كأطراف يقفون في مركب واحد كما يقول وزير النفط الكويتي.
وليس سرا ان هناك مجموعة من الاسباب التي تقف وراء ارتفاع الاسعار ويفترض ان تكون على جدول اعمال هذا المؤتمر الذي يحتاج الى تحضير دقيق ولجان متابعة دولية لاننا امام ازمة متفاقمة تسبب من الهلع ما قد تسببه حرب عالمية بكل معنى الكلمة.
ومن اسباب الأزمة:

❐ أولا: التوتر الذي يخيم على منطقة الخليج وهو توتر ازداد في ظل الصراع الاميركي – الايراني وخصوصا بعد الحرب على العراق.
❐ ثانيا: ضعف الدولار قياسا بالعملات الاخرى.
❐ ثالثا: المضاربات الشرسة في اسواق النفط.

❐ رابعا: وربما هو الاخطر، ويتمثل بتعمّد الدول الصناعية وخصوصا اميركا رفع اسعار النفط الى مستوى 250 دولارا للبرميل، وذلك بهدف تعويد المستهلكين في العالم على هذا المستوى من الاسعار، وهو المستوى الذي تكلّفه عملية انتاج "الطاقة البديلة" اي استخراج الوقود من الانتاج الزراعي (الذرة – قصب السكر – الصويا). وهذا امر يخلق مشكلتين:
غلاء اسعار الطاقة وارتفاع عدد الجوعى في العالم بسبب الازمة الغذائية الناجمة عنه.

في ضوء كل هذا تكتسب دعوة الملك عبد الله الى مؤتمر جدة اهمية كبرى لانها على الاقل توسّع حدود الاحساس بالمسؤولية الى مستويات انسانية عليا!

المصدر:
النهار

خبر عاجل