العلاقات اللبنانية – السورية تُبحث بعد تشكيل الحكومة ولقاء سليمان – الأسد
هل يبقى المجلس الأعلى بعد قيام تمثيل ديبلوماسي؟
اي علاقة يمكن ان تقوم بين لبنان وسوريا في عهد الرئيس سليمان كي تكون ممتازة او مميزة، هل هي علاقة ندية بين دولتين سيدتين، ام بين دولة سيدة ودولة مسودة كما كان سابقا؟
الاجوبة عن هذا السؤال تأتي بها الافعال التي تقدم عليها القيادة السورية لا الاقوال، ونتائج اول لقاء يعقد بين الرئيس سليمان والرئيس الاسد وتعرض فيه كل الملفات التي يؤسس الاتفاق عليها لعلاقات واضحة صحيحة وصحية.
ومن هذه الملفات معرفة مصير القرارات التي اتخذها مؤتمر الحوار الوطني اللبناني بالاجماع ومدى استعداد سوريا للمساعدة في تنفيذها وهي: اقامة تمثيل ديبلوماسي بين البلدين، وترسيم الحدود لاسيما في مزارع شبعا للتمكن من وضعها في عهدة الامم المتحدة كما نص قرار مجلس الامن الرقم 1701 وليس كما قال الرئيس الاسد في تصريح اخير له ان مشكلة هذه المزارع هي بين لبنان واسرائيل… وازالة السلاح الفلسطيني الموجود خارج المخيمات وضبطه في داخلها. فمتى يتم التوصل الى اتفاق على تنفيذ هذه القرارات فان ذلك يشكل منطلقا لبدء اقامة علاقات جيدة بين البلدين تقوم على التعاون الصادق والثقة المتبادلة.
واقامة تمثيل ديبلوماسي بين البلدين يطرح مصير المجلس الاعلى اللبناني – السوري، وهل تبقى حاجة اليه. يذكر ان هذا المجلس يتشكل من رئيس الجمهورية وكل من رئيس المجلس والحكومة ونائب رئيس مجلس الوزراء في الدولتين، ويجتمع مرة كل سنة وعندما تقتضي الضرورة، في المكان الذي يتم الاتفاق عليه ويضع هذا المجلس السياسة العامة للتنسيق والتعاون بين الدولتين في المجالات السياسية والاقتصادية والامنية والعسكرية وغيرها، ويشرف على تنفيذها، كما يعتمد الخطط والقرارات التي تتخذها الهيئة التنفيذية ولجنة الشؤون الخارجية ولجنة الشؤون الاقتصادية والاجتماعية ولجنة شؤون الدفاع والامن او اية لجنة تنشأ في ما بعد.
واللافت في تشكيل هذا المجلس ان قراراته الزامية ونافذة المفعول الا ما يستلزم تنفيذه الموافقة من السلطة التنفيذية او الاشتراعية في كل من البلدين وفقا لنظمهما الدستورية، وهذا النص وضع في حينه بناء على طلب الجانب اللبناني باعتبار ان النظامين مختلفان في كلا البلدين. ويحدد المجلس الاعلى المواضيع التي يحق للجان المختصة اتخاذ قرارات فيها، تكتسب الصفة التنفيذية بمجرد صدورها عنها وفقا للانظمة والاصول الدستورية في كل من البلدين.
وتتكون الهيئة التنفيذية المنبثقة من المجلس الاعلى من رئيسي مجلس الوزراء في البلدين وعدد من الوزراء المعنيين بالعلاقات بينهما وتتولى متابعة تنفيذ قرارات المجلس الاعلى ورفع التقارير الى المجلس عن مراحل التنفيذ، وتنسيق توصيات اللجان المتخصصة ومقرراتها ورفع المقترحات الى المجلس الاعلى، وعقد الاجتماعات كلما دعت الحاجة مع اللجان المختصة. وتجتمع الهيئة التنفيذية مرة كل ستة اشهر.
وتتشكل لجنة الشؤون الخارجية ايضا من وزيري الخارجية في البلدين وتجتمع مرة كل شهرين وعند الاقتضاء في عاصمة احدى الدولتين بالتناوب، وتعمل على تنسيق السياسة الخارجية للدولتين في علاقاتهما مع جميع الدول العربية، كما تعمل على تنسيق نشاطاتهما ومواقفهما في المنظمات العربية والدولية وتعد من اجل ذلك الخطط لاقرارها في المجلس الاعلى.
ويذكر ان هذا المجلس لم يعقد منذ انشائه في عهد الرئيس الهراوي الى اليوم سوى اجتماعين، وظلت معظم البنود الواردة في نظامه بدون تطبيق، وان استمراره سيكون موضوع بحث بين الجانبين اللبناني والسوري، فثمة من لا يرى موجبا لاستمراره بعد اقامة تمثيل ديبلوماسي بين البلدين لان من مهمة السفارة في كلا الدولتين الاهتمام بما يطلب من المجلس الاعلى الاهتمام به وذلك منعا لازدواجية العمل بينهما وثمة من يرى ان المهمات المنوطة بهذا المجلس تختلف عن المهمات المنوطة بالسفارة، وليس مجرد قيام تمثيل بين دولتين معناه ان العلاقات تكون طبيعية. فقد تتعرض احيانا للتوتر وتبلغ حد خفض التمثيل الديبلوماسي او استدعاء السفير او قطع العلاقات. ولا بد في هذه الحال من وجود جهاز بديل خارج الاطار الديبلوماسي يتحرك لاعادة وصل ما انقطع، ومواصلة البحث في الشؤون الاقتصادية الملحة وغيرها من الامور التي تصب في مصلحة البلدين بعيدا عن المؤثرات السياسية.
وهناك ايضا اتفاقات كثيرة معقودة بين لبنان وسوريا تحتاج الى اعادة نظر، منها على الاخص معاهدة الاخوة والتعاون والتنسيق، واتفاق الامن والدفاع، لم ينفذ منها شيء على ارض الواقع. واذا حصل فمن جانب واحد هو الجانب السوري عندما يرى ان في ذلك مصلحة له خصوصا لجهة التزام وحدة المصير والمصالح المشتركة القائمة بين البلدين ومساندة كل منهما الآخر في القضايا التي تتعلق بأمنه ومصالحه الوطنية، والترابط بين الامن الوطني والامن القومي للبلدين، والعمل على تنسيق البلدين سياستهما العربية والدولية وتحقيق اوسع التعاون في المؤسسات والمنظمات العربية والدولية وتنسيق مواقفهما تجاه مختلف القضايا الاقليمية والدولية.
الواقع ان اعادة تنظيم العلاقات اللبنانية – السورية تحتاج الى عقد سلسلة لقاءات بين المسؤولين في البلدين لدرس الاتفاقات والبروتوكولات المعقودة بينهما وادخال التعديلات اللازمة عليها بفعل المتغيرات الحاصلة خصوصا بعد انسحاب القوات السورية من لبنان وانتهاء الوصاية السورية على لبنان والتي تم عقد الاتفاقات والمعاهدات في ظلها، فلا يظل البعض يفسر النصوص الواردة فيها انها ليست في مصلحة لبنان او انها تشكل شبه كونفيديرالية بين البلدين ولاسيما من خلال وجود المجلس الاعلى اللبناني – السوري.
وتنتظر دمشق قيام حكومة الوحدة الوطنية لتبدأ مرحلة التعاون معها كما اعلن الرئيس الاسد على اثر اتفاق الدوحة باعتبار ان هذه الحكومة تضم حلفاء لها قادرين على منع اتخاذ مواقف سلبية منها، وان يعقب قيام هذه الحكومة لقاء بين الرئيسين اللبناني والسوري يمهد لبدء ورشة عمل ترمم العلاقات بين البلدين وتنظمها بحيث ترسيها على قواعد صحيحة وصحية، انطلاقا من خطاب القسم وفيه: "اننا ننظر بشدة الى اخوة في العلاقات بين لبنان وسوريا، ضمن الاحترام المتبادل، لسيادة وحدود كل بلد، وعلاقات ديبلوماسية تعود بالخير لكل منهما، والعبرة هي في حسن المتابعة لعلاقات مميزة ندية، خالية من اي شوائب اعترتها سابقا، بحيث نعمل على الاستفادة من تجارب الماضي وتداركها، تأمينا لمصالح ورخاء وامن البلدين الشقيقين". فهل تكون سوريا عند حسن الظن في تعاملها السليم والصادق مع العهد الجديد في لبنان، فتترجم اقوالها افعالا، ام تظل اقوالها شيئا، وافعالها شيئا آخر؟