بعض الحقائق اللبنانية الراهنة (3)
14 آذار مدعوة إلى ثورة على الذات
1 – قدمت ثورة الارز منذ بداياتها عندما اشتعلت الانتفاضة ضد فرض السوريين التمديد للرئيس اميل لحود، وحتى الانسحاب الذي فرض على النظام السوري من لبنان نموذجا تاريخيا لكل الامم القريبة والبعيدة مفاده ان كلمة الشعب يمكن ان تتغلب على قهر القوة والظلم. وللتذكير ان اللبنانيين الذين لاقوا فرصة دولية وعربية مؤاتية تمكنوا من اخراج احد اعتى الانظمة واكثرها دموية في الشرق من بلادهم من دون عنف. فقط بقوة الموقف وسلاح الكلمة والايمان بهذا الوطن. وكان اجماع لبناني تاريخي ولحظة لبنانية صافية لا سابق لها غاب عنها ويا للاسف الثنائي الممسك بقرار الطائفة الشيعية مانعا اياها بوسائل كثيرة من ان تنضم الى الكيانية اللبنانية، لأسباب سرعان ما تكشفت في مراحل لاحقة ليس هنا مجال التطرق اليها. وكان من المفترض ان تكون 14 آذار لولادة امة لبنانية يتفوق فيها الانتماء الى لبنان على كل الانتماءات الاخرى.
2 – تعرضت القوى الاستقلالية قبل الانسحاب السوري المفروض الى حملة تصفيات دموية بدأت مع محاولة اغتيال مروان حماده في الاول من تشرين الاول 2004، مرورا بزلزال اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه في الرابع عشر من شباط 2005، ولم تنقطع لغاية هذه السنة مع تحول التصفية المخابراتية محاولة للتصفية الميدانية على النحو الذي حصل في غزوة بيروت والجبل. وطوال المرحلة السابقة كانت الصورة سوريالية: غالبية واضحة تتعرض لارهاب منظم من دمشق تناصره قوى لبنانية آثرت الوقوف بجانب قتلة الاستقلاليين مما ادى رسم هوة سحيقة بين اللبنانيين. وكانت قوى الاستقلال طوال الفترة الماضية على معرفة بهوية من كان يمعن فيها قتلا، ومن كان يناصر القاتل محليا. كما كانت تشاهد يوما بعد يوم تنامي الحالة الانقلابية في احشاء "حزب ولاية الفقيه" بالمال والسلاح والتدريب واختراق الطوائف والمناطق اللبنانية الاخرى. واستقر رهان قوى الرابع عشر من آذار على الدولة ومؤسساتها، والزخم السلمي للغالبية الشعبية التي تميزت على الدوام بتنوعها وغناها الفكري والثقافي، في حين ان الطرف الآخر اعتمد على جمهور "حزب ولاية الفقيه" "الاسبارطي" النزعة والنشأة. وظل يمثل اقلية على رغم كل الحشد الذي مارسه خلال اكثر من ثمانية عشر شهرا في قلب بيروت.
3 – طوال ثلاث سنوات كان الاستقلاليون، اي قوى 14 آذار، على معرفة تامة بنمو قوى هامشية يمولها ويسلحها "حزب ولاية الفقيه" ويحميها بالتنسيق مع النظام السوري، ومع ذلك ظل الرهان على المؤسسات الشرعية راسخا، فتسلح الانقلابيون بوضع ابناء الشرعية كل اوراقهم في سلتها وآخر مؤسساتها القائمة اي الجيش. وكان مفهوما ان الحزب المشار اليه كان يهدف الى نقل الصدام من تماس طائفي الى قلب كل طائفة، ومنطقة. وفي الوقت عينه كانت العاصمة بيروت تتحول ثكنة عسكرية امنية للحزب. ووصل به الامر الى تخزين السلاح في ساحة رياض الصلح.
4 – رفضت قوى 14 آذار اللجوء الى سباق تسلح مع "حزب ولاية الفقيه"، معتبرة انها قادرة على حماية مشروعها الديموقراطي بالغالبية الشعبية، عبر ادارة الصراع بالوسائل السلمية، والاعتماد على تقوية الجيش ليكون حامي الشرعية. وعلى رغم ان علامات مقلقة لاحت في افق الجيش بإغتيال العميد الركن فرانسوا الحاج، ثم بالاصطدام بوحدات الجيش في مار مخايل في شهر كانون الثاني الفائت، واضطرار قائد الجيش العماد ميشال سليمان المرشح للرئاسة التراجع امام تهديدات "حزب ولاية الفقيه"، فقد ظلت قوى الرابع عشر من آذار واركانها الكبار يراهنون على ان الجيش سيقف حجر عثرة اذا ما حاول الفريق الانقلابي اعتماد القوة من اجل قلب موازين القوى والانقضاض على المعادلة السياسية. وفي السابع من ايار وقف الجيش موقف المتفرج من غزو "حزب ولاية الفقيه" بيروت والجبل، وأحتلت العاصمة بيروت ولا تزال محتلة، ومع ذلك استمرت 14 آذار تراهن على الجيش حامياً للشرعية وللمواطنين العُزّل!
5 – كثيرة هي الخيارات التاريخية الصائبة التي اتخذها الاستقلاليون. وعديدة هي الاخطاء التي ارتكبت إن لجهة ترك اللبنانيين من دون حماية، او لجهة تجاهل الكثير من الاصوات الشيعية المستقلة، او بالنسبة الى التراخي الحكومي في تلبية مصالح جمهور 14 آذار في كل مكان وخصوصاً على مستوى المساعدات العينية والمالية والتعويضات المُقرّة. واخيراً، وليس آخراً، بإشعار المرشح السابق والرئيس الحالي ميشال سليمان برُخْصِ ثمن 14 آذار سياسيا.
أخطأت قوى 14 آذار واصابت، لكنها في امسّ الحاجة الى عملية تقويم قاسية على مستوى الخيارات. لا بل انها في حاجة الى انتفاضة على الذات، لأن معركة الاستقلال مستمرة، ولان من احتكم الى السلاح مرة سيكررها مرات ومرات، ولأن التحدي ليس تحدي سلطة بل هو تحد وجودي يتعلق بمصير الكيان اللبناني برمته.
والسؤال كيف تكون الانتفاضة على الذات؟