بينَ إحساسهم الحقيقي بالقهر وواجب افتخارهم بإسقاط السلاح الآخر بعدم استخدامهم السلاح
أهلُ السنّة ومسؤوليتهم التاريخية: حماية مشروع رفيق وسعد الحريري
لا جدال في أنّ لدى أهل السنّة في لبنان عموماً وفي بيروت خصوصاً إحساساً عارماً بالقهر جرّاء ما تعرّضوا له ولا يزالون منذ "غزوة أيّار" للعاصمة التي نفّذها "حزب الله" وميليشياته المتعدّدة الدائرة في فلكه. وفي "أجواء" الناس من أهل السنّة قناعة مصاحبة للإحساس بالقهر، بأنّ إمتلاكهم للسلاح كان ليردّ عنهم الإستفزازات والإعتداءات على أنواعها، وبأنّ تسلّحهم اليوم وليس غداً يمثل مصدر حماية لهم على قاعدة أنّ الدولة ـ أي قواها الأمنيّة ـ غير قادرة على تأمين الحماية للمجتمع الأهليّ.
أهل السنّة أفشلوا الفتنة السنّية ـ الشيعيّة
يجبُ الإعتراف هنا بأمرين. الأوّل هو أنّ الإحساس بالقهر "حقيقيّ" و"فعليّ". أمّا الثاني في المقابل فهو أنّ الاستنتاج "السياسيّ" من ذلك الإحساس بالقهر ليس صحيحاً.
لو كان "تيّار المستقبل"، أي التيّار ذو النفوذ الأكبر سنّياً، سلّح أهل السنّة في بيروت والمناطق، لكان "حزب الله" نجحَ في إستدراج البلد الى فتنة إسلاميّة ـ إسلاميّة، سنّية ـ شيعيّة أي الى الحرب الأهليّة على نحو واسع وشامل.
كانَ السلاحُ ليحقّق صموداً قتالياً نسبيّاً، لكنّ كانت الخسائر البشريّة لتزيد أكثر، على قاعدة أنّ أيّ بنية عسكريّة ما كانت لتستطيع مواجهة "جيش" يملكه "حزب الله" ويجري إعداده إيرانيّاً منذ سنوات طويلة.
"حزب الله" يربح إن تسلّح السنّة
واليوم، إنّ مواصلة "حزب الله" تحرشاته المتنقّلة تهدفُ الى تحقيق نتيجتين. الأولى دفعُ أهل السنّة الى "الإيمان" بالسلاح الميليشياوي بديلاً من الدولة وسلاح الدولة. والثانية دفعُهم الى التفتيش عن حمايات سياسيّة "بديلة" أي أن يلجأوا الى "السنّية السياسيّة" التابعة لإيران. وفي كلا الحالتين يكون "حزب الله" حقق مبتغاه: تشريع إستمرار سلاحه، سلخ أهل السنّة عن تمثيلهم اللبناني الاستقلاليّ والعربيّ المنفتح والإسلامي المعتدل، وإسقاط مشروع الدولة بالكامل.
حقيقةُ الأمر إذاً، في السياسة، هي انّ عدم تسلّح أهل السنّة أي عدم مقاتلتهم غزوة "حزب الله" عسكريّاً، أدّى الى نتائج كبرى.
حموا لبنان والعرب
منع أهل السنّة حرباً أهليّة واسعة في لبنان. بل أكثر من ذلك منعوا توسيع رقعة الفتنة السنّية ـ الشيعيّة عربيّاً. ذلك انّه لا يخفى أنّ للفتنة الإسلامية ـ المسيحيّة لا سمحَ الله حدوداً هي لبنان، بينما لا حدود مطلقاً للفتنة السنّية ـ الشيعيّة لا سمح الله أيضاً.
وبعدم إستخدامهم للسلاح أسقطوا السلاح الآخر سياسيّاً وأربكوا حامله إذ حوّلوه الى سلاح ميليشياوي بامتياز. وبعدم إحتمائهم بالسلاح حموا الدولة وفكرة الدولة ومشروع الدولة.
والمقصود قولُه من كلّ ما تقدّم هو أنّ ما يجب أن يوازنَ إحساس أهل السنّة بالقهر، إفتخارهم بأنّهم بالرغم من جراحهم التي لمّا تندمل بعد، أنقذوا بتضحياتهم لبنان والمنطقة، ومشروع الدولة اللبنانية. والمعادلةُ واضحة: البحث عن السلاح للإحتماء به هو أقصر الطرق الى تحقيق مآرب "حزب الله" وإيران، في حين أنّ عدم "التمَلْيش" أسقط "المشروع الآخر".
رفيق الحريري المشروع المستهدف بعد إستشهاده
عندما يقول زعيم "تيّار المستقبل" سعد الحريري إنّه لم يُسلّح السنّة وإنّه لا يمكن أن يتحوّل عن مشروع والده الرئيس الشهيد رفيق الحريري القائم على بناء الدولة والتنمية البشريّة والإعتدال، فذلك ليسَ لأنّه لا يستطيع تمويل عمليّة تسلّح واسعة، بل لأنّه يكملُ رسالة أبيه.
أتى رفيق الحريري الى العمل السياسيّ العام معلّماً لأجيال، وبانياً لما دمّرته الحرب الأهليّة "السابقة"، ومعيداً للبنان موقعه على الساحتين العربيّة والدوليّة، وساعياً بلا هوادة الى قيامة الدولة التي وحدها تمنعُ لبنان من أن يكون كياناً لحرب أهليّة دائمة.
هذا في حياته. أما في إستشهاده فقد أعطى رفيق الحريري لبنان إستقلاله الثاني، أي أعاد تأسيس البلد.
وبعدَ خلافته لأبيه سياسيّاً، تابع سعد رفيق الحريري خطاه. وبـ"السياسة" التي إعتمدها حمى السنّة من خسائر أكبر، وحمى البلد من حرب أهليّة "واسعة" وحمى فكرة الدولة ومشروعها… وحمى المنطقة العربيّة.
لا شكّ انّ "الكلفة" كانت باهظة. لكنّ يجب بإستمرار تذكّر أنّ إسقاط مشروع رفيق الحريري للسنّة ولبنان كانَ هدفاً دائماً لأعداء إستقلال لبنان ودولة الإستقلال في لبنان، وقد اغتيل في سياق هذا الإستهداف أصلاً. وإسقاط مشروع رفيق الحريري المستمرّ بإبنه سعد هو هدفٌ للخصوم والأعداء، ويبدأ إسقاطه بأن يتحوّل عنه وبأن يغدو ميليشيا بينَ ميليشيات.
خطورة "العسكرة".. وخيارات "تيّار المستقبل"
ولذلك، فإن على أهل السنّة اليوم مسؤولية تاريخية. فأيّ "عسكرة" للسنّة تعني إدخالهم في "منافسة" عسكرية ليس بالضرورة أن يكونوا أقوياء في إطارها. وتعني تزكيةً للتطرّف الأصولي إذ يبدأ "التعسكر" مع فريق لكنه يُتابع على أيدي أصوليات متقاطعة مع مخابرات شتى. وتعني بهذا المعنى إغتيال رفيق الحريري ثانيةً.
إذاً، لا بد من أن ينتقل النقاش في البيئة السنيّة وبسرعة من مخلّفات "عدوان أيار" الى المكان الصحيح أي كيف أنجز الصمود في السياسة ما كان مطروحاً للشطب. ولا بد هنا من أن يُقال كلامٌ واضح: إن عدم التسلّح واستخدام السلاح ليس "قلّة مرجلة" ولا هو "خنوع"، بل هو حكمة سياسية عالية. نعم لا ينقص "تيار المستقبل" وجمهوره الرجال الرجال ولا ينقصه "الذين يحبّون الموت ليكرهه غيرهم" ولا ينقصه القبضايات ولا "من يأكلون رأس الحية". بيدَ أن المسألة مسألة خيار سياسي ـ وطني ـ عربي.. بل ديني إسلامي أيضاً.
الجيش والقوى الأمنية.. وإلاّ فحماية عربية
هل في ما تقدّم دعوةٌ الى أن يتحمّل أهل السنّة أكلافاً جديدة؟
الجواب عن هذا السؤال هو بالطبع لا. فبدلاً من المراوحة عند حدود الفترة السابقة وعند حدود التسلّح أو عدمه، لا بد من أن يكون أهل بيروت قوة ضغط على الدولة لـ"دفعها" الى تنفيذ واجباتها.
الآن، وضعت خطة أمنية. يجب أن تكون موضع مراقبة ومتابعة. الجيش وقوى الأمن مسؤولون عن حماية الناس وأملاكهم وأرزاقهم. يجب عدم اليأس من تحسّن أداء القوى الأمنية. لكن الشرعية هي السلاح. الأولوية للشرعية اللبنانية كي ترى المشكلة وتعالجها.. وإلاّ فالاحتماء بالشرعية العربية.
بمعنى آخر، في موازاة الحسم سياسياً بأن "العسكَرة" قاتلة وفقاً لكل المعايير الآنفة، لا بد من الحسم بأن بيروت يجب أن تُحمى وستُحمى.
"المقاومة الغاندوية": رفيق وسعد الحريري مثالاً
وثمة سلاحٌ "ذرّي" يملكه اللبنانيون المؤمنون بالدولة، هو سلاح المقاومة المدنية السلمية للسلاح غير الشرعي. يستطيع اللبنانيون الاحتجاج على السلاح في بيوتهم وفي الشوارع وفي المساجد وفي الكنائس، وفي المدارس والجامعات، ومنها كلّها.
رفيق الحريري كان المثل والمثال في المقاومة السلمية من أجل بناء الدولة.
وسعد رفيق الحريري يعطي أمثولة في المقاومة السلمية المقترنة بالثبات السياسي.
وفي كل لبنانيّ، في هذه الأيام، غاندي ما. وفيه إيمانٌ بأن العين تقاوم المخرز إذا اقتضى الأمر. والمقاومة المدنية السلمية هي أنجع من المقاومة المسلّحة للاستبداد والطغيان.