من أجل إعادة الاعتبار لمشروع المقاومة
هل تعلن "الجماعة الإسلامية" مقاومة مستقلة ضد إسرائيل؟
لم تكن "الجماعة الإسلامية" غائبة يوماً عن مشروع المقاومة. فهي في صميم هذا المشروع منذ العام 1982. جناحها المقاوم، "قوات الفجر"، كان له الدور الكبير في تحرير صيدا وجوارها في 16 شباط 1985، وهو قدّم كوكبة من القادة شهداء من أجل المقاومة والتحرير، وعلى رأسهم قائد "قوات الفجر" الشهيد جمال حبال، الذي استشهد في 27 كانون أول 1983، بعد معركة ضارية مع قوات النخبة في لواء غولاني، في صيدا.
حافظت "الجماعة" بعد العام 1985 على وتيرة محدودة من العمل المقاوم بالتنسيق مع قيادة "حزب الله"، ثم اكتفت بعد التحرير عام 2000، بوجود قوة رمزية لها في منطقة شبعا بقيت لغاية العام 2006، تاريخ عدوان تموز وصدور القرار 1701.
دور "الجماعة" المحدود جداً في المقاومة بعد التحرير لم يكن معلوماً على نطاق واسع، لكن الأجهزة الأمنية اللبنانية كانت على علم بذلك، كما "حزب الله" بالضرورة. ثمة عقبات كبيرة واجهت هذا المشروع، فخلال فترة الوجود السوري في لبنان كان ممنوعاً على "الجماعة"، المصنفة سورياً على أنها أحد فصائل "الإخوان المسلمين" أن يكون لها دور مستقل في المقاومة التي باتت حقاً حصرياً لـ"حزب الله" أو من يغطيه الحزب.
اكتفت "الجماعة" بحضور رمزي، بالتنسيق مع "حزب الله"، لكنها حرصت دوماً على رفض الاستتباع السياسي له، الأمر الذي كان يثير مشاكل لها على المستوى القضائي، سيما عندما يعثر على سلاح تابع لها، فيرفض القضاء اعتباره ضمن سلاح المقاومة.
بعد حرب تموز نقلت "الجماعة" ما كان بحوزتها من صواريخ قليلة إلى البقاع، لكن مخزناً لها في منطقة راشيا جرت مصادرته من قبل الجيش اللبناني، فاضطرت "الجماعة" لإصدار بيان في 22/1/2007 يفيد بأن "الصواريخ المصادرة هي جزء من سلاح المقاومة في منطقة العرقوب، حيث كان أبناء القرى الحدوديّة من عناصر الجماعة يشاركون في الدفاع عن مناطقهم وكل لبنان في مواجهة العدوان الإسرائيلي"، واحتاج الأمر وقتاً لتسوية الموضوع دون أن يفرج عن السلاح.
في 4/10/2006 أي بعد حرب تموز مباشرة تقريباً، عبّرت "الجماعة الإسلامية" عن رؤيتها للاستراتيجية الدفاعية من خلال إعلان تلاه أمينها العام الشيخ فيصل مولوي طالب فيه اعتبار المقاومة الشعبية جزءاً من استراتيجية الدولة الدفاعية، على أن "تعمل إلى جانب الجيش النظامي، وفق صيغة تقرّرها مؤسّساتها الدستورية، تحفظ حقّ الدولة بقرار الحرب والسلم، وتحفظ حقّ هذه المقاومة في دفاعها عن لبنان إذا وقع اعتداء عليه. وعلى أن ترعى الدولة وتنظّم هذه المقاومة، ممّا يجعلها مقاومة وطنية مفتوحة أمام جميع اللبنانيين، يمارس من خلالها كلّ لبناني حقّه وواجبه في الدفاع عن الوطن. ويكون ذلك متاحاً في كلّ المناطق اللبنانية، أو محصوراً بمنطقة الجنوب.. وعلى أن تكون هذه المقاومة دفاعية بحتة، ويكون سلاحها محصوراً بالأسلحة الدفاعية. وتتولّى الدولة الإنفاق عليها، ويمكن حصولها على تبرّعات داخلية أو خارجية بإذن الدولة".
"الجماعة" كانت تطمح من خلال هذا الطرح إلى الإسهام في حل إشكالية أساسية في لبنان، وأن تشبع الرغبة الجارفة لدى عناصرها ليكونوا جزءاً من هذه المقاومة بعد تحررها من القيدين الحزبي والمذهبي، وبعد توافق اللبنانيين حولها باعتبارها مقاومتهم جميعاً، غير أن هذا الأمر لم يحصل، بل ما حصل طيلة الفترة الماضية كان معاكساً تماماً، فقد تراجع التوافق الأهلي حول المقاومة، وازدادت المجموعات التي يدربها ويمولها ويسلحها "حزب الله"، وهي مجموعات أكثرها لا تاريخ لها في المقاومة، فضلاً عن الشك الذي كان موجوداً في الهدف الأساس من زرعها في عمق الجسد اللبناني.
في السابع من أيار 2008 لم يعد ثمة شك لدى "الجماعة" في أن الهدف الذي دفع "حزب الله" لتأسيس المجموعات التي يسميها "سرايا مقاومة" كان داخلياً بحتاً، فقد شاهد اللبنانيون جميعاً ما فعلته تلك المجموعات والأحزاب، لدرجة أن "حزب الله" نفسه أُحرج ببعض أعمالها.
أبلغت "الجماعة" من يعنيه الأمر أن المقاومة وقعت في خطأ مميت، وأن ما جرى في بيروت والجبل والشمال والجنوب والبقاع لا يمكن توصيفه إلا بأنه ارتداد للسلاح نحو الداخل. أصداء هذا الموقف وصلت إلى كافة فروع "الإخوان المسلمين" في العالم، لدرجة أن المرشد العام لـ"الإخوان" محمد مهدي عاكف، أعلن في 20 أيار أنه يلتزم موقف الشيخ فيصل مولوي مما جرى، نافياً المواقف المنسوبة إليه والتي كانت محطة "المنار" قد بثتها.
في هذه الأثناء كان الغليان في صفوف عناصر "الجماعة الإسلامية" وكوادرها قد بلغ مداه، وجاء من بين هؤلاء من يطالب قيادة "الجماعة" بإعلان قيام مقاومة دفاعية مسلحة ضد إسرائيل بشكل مستقل، أولاً: لأن هذا الأمر هو مطلب قاعدة "الجماعة الإسلامية" منذ سنوات، وثانياً: من أجل إعادة الاعتبار إلى مشروع المقاومة نفسه، بعدما سقطت النظرة إلى مقاومة "حزب الله" في الشارع السني إلى درجة غير متخيّلة من قبل، وثالثاً: لأن "الاستراتيجية الدفاعية" تهدف بالأساس إلى إيجاد صيغة لحماية لبنان بالاستفادة من المقاومة التي أثبتت فاعليتها، و"الجماعة" لا مانع لديها أن تكون جزءاً من هذه الاستراتيجية، مهما كان الشكل الذي يجري التوافق حوله.
الضغط ما زال متواصلاً من كوادر مهمة في "الجماعة الإسلامية"، باتجاه تبني هذا المشروع وإعلانه رسمياً. مصادر قيادة "الجماعة" تقول إنها ليست بعيدة عن هذا التوجه لكن المشروع يحتاج إلى درس أكبر، خصوصاً أنها حريصة على أن لا يفهم الأمر في غير إطاره، أو أن يتسبب بزيادة التعقيدات في العلاقات بين القوى اللبنانية.
وتحاول شريحة من القيادات الشابة، في معرض دفاعها عن المشروع، إزالة أية عقبات يمكن أن تتبادر إلى الذهن، فـ"المشروع يستهدف في هذه المرحلة للإعداد فقط بما لا يتعارض مع القرار 1701، وهو في كل الأحوال لن يسلب الدولة حقها في قرار السلم والحرب كونه دفاعياً، ولا يفترض أن يسبب مشروع المقاومة الذي ستتبناه "الجماعة" أي إرباك داخلي، بل على العكس من ذلك، إذ ان من شأن تأطير الشباب وتوجيهه ضد إسرائيل منع ظهور جماعات إرهابية تتخذ من الجهاد ذريعة للتخريب في الداخل، وأصلاً "حزب الله" دعا ويدعو الجماهير العربية للانخراط في هذا المشروع، ولم يعد مقبولاً أن يكون السنّة في لبنان غائبين".
في الوقت الذي تدرك فيه قيادة "الجماعة" أن هذا المشروع كبير لدرجة تستوجب التأني والدرس المستفيض، تؤكد قيادات شابة أن "الجماعة الإسلامية" ستتبنى قريباً المشروع، انسجاماً مع بنيتها الفكرية، و"إنقاذاً لمشروع المقاومة من أخطائه في لبنان".