2700 لبناني في إسرائيل… كيف أحوالهم؟
كتب بيار عطالله:
شكلت اشارة رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان في خطاب القسم الى "استعادة أبنائنا الذين لجأوا إلى إسرائيل، فحضن الوطن يتسع للجميع" مفاجأة لمن تبقى من اللبنانيين المبعدين الى اسرائيل وولدت ارتياحا عميقا لديهم الى ان هناك من يسأل عنهم ويهتم بأمرهم، ذلك انها المرة الاولى يتحدث فيها مسؤول لبناني من هذا الموقع المتقدم عن حل هذه المشكلة التي طالت وتشعبت فصول ماساتها.
راعي الابرشية المارونية في الاراضي المقدسة المطران بولس صياح، الذي يهتم باللبنانيين في اسرائيل منذ لجوئهم اليها قبل 8 سنين ولا يزال، يجسد صلة الوصل الوحيدة بينهم وبين وطنهم الام واهاليهم المقيمين في لبنان، حمل همه اول من امس الى الرئيس ميشال سليمان وأطلعه على جديد الملف الانساني العالق بدون حل وسط دوامة الازمات المتعاقبة والصراعات الابدية بين الزعماء وخصوصا المسيحيين على استثمار كل المناسبات المتاحة من اجل تعزيز مواقعهم الخاصة حتى لو كانت على حساب بؤس هؤلاء المبعدين اللبنانيين الذين ينامون ويصحون على امل العودة الى لبنان بينما هم يتكاثرون طبيعيا ويزداد عدد الاطفال الذين يولدون هناك من دون جنسية لبنانية، ويكتفي اهاليهم برتبة العماد في الكنائس المارونية والكاثوليكية الفلسطينية المنتشرة بين حيفا ويافا والجليل لحفظ صلة الوصل بوطنهم الام.
يقدر المطران صياح عدد من تبقى في اسرائيل بـ 2700 لبناني، يتوزعون على الشكل الآتي: 60 في المئة مسيحيون و40 في المئة من الشيعة والدروز، لكنه يجزم ان الجميع لبنانيون هناك ولا تمييز بين مسيحيين ومسلمين، وقبل مدة توفى احد المبعدين الشيعة فأصر اهله على ان يصلي الكاهن على جثمانه في الكنيسة المارونية لعدم وجود شيخ شيعي هناك وكان لهم ذلك في القاعة الملحقة بالكنيسة. اما احوال المبعدين واماكن سكنهم فيحددها المطران الوقور بأكثرية تقطن شمال اسرائيل في مدن نهاريا وكريات شمونة وطبرية، الى عدد ضئيل في الخضيرة ونحو 50 عائلة في حيفا يعيشون دائما بعيدا عن عرب 1948 ولا يختلطون معهم. اما عن الرعاية الدينية لهم فيقول انهم يزورون الكنائس المارونية في استمرار، وهناك ثلاث كنائس تستقبلهم لإقامة الفروض والشعائر الدينية في منطقة نهاريا وكنيسة في دير راهبات الناصرة، الى كنيسة الروم الكاثوليك في طبرية التي كانت مغلقة قبل قدوم المبعدين اللبنانيين الذين اخذوا يصلون فيها، وهم المسيحيون الوحيدون في تلك المنطقة. اما التجمع الثالث ففي كريات شمونة وصفد حيث يجتمع المبعدون للصلاة داخل احدى القاعات لعدم وجود كنيسة قريبة، ويبحث المطران حاليا عن مكان للاجتماع في كريات شمونة القريبة من الحدود اللبنانية – الاسرائيلية.
ويصف المطران صياح أحوال المبعدين بأنها شبيهة بحال اللبنانيين المنتشرين في اوروبا واميركا الشمالية الذين "يكدحون" طيلة النهار لتحصيل لقمة عيشهم، وبعضهم يعمل موظفا في حين افتتح آخرون مطاعم لبنانية او مؤسسات تجارية صغيرة لتدبير معيشتهم في مجتمع صناعي ترتفع فيه كلفة المعيشة الى درجة كبيرة. واستنادا الى مقاربة راعي ابرشية الاراضي المقدسة الذي يعرف احوال جميع المبعدين وشجونهم، فإن نسبة كبيرة ممن ذهبوا الى اسرائيل فعلوا ذلك سعيا وراء العمل بعدما سهل لهم الاسرائيليون الانخراط في الدورة الاقتصادية – الاجتماعية من خلال عرض الجنسية الاسرائيلية عليهم، وقد رفضها بعضهم وقبل بها بعض آخر، ليس للسكن في اسرائيل فحسب بل للسفر الى الخارج خصوصا الى الولايات المتحدة وكندا ودول اوروبا الغربية حيث يستطيعون الحصول على جنسيات تلك الدول بسهولة اذا كانوا يحملون جواز السفر الاسرائيلي. لكن المطران صياح يؤكد انه لا يعرف عدد الحاصلين على جواز السفر الاسرائيلي وان الاسرائيليين لا يقدمون هذه المعلومات التي يعتبرونها خاصة بهم.
يتوزع اولاد المبعدين على مدارس الإرساليات المسيحية والراهبات ومدارس الدولة بعد تجربة فاشلة لاعتماد المنهج اللبناني في التدريس بواسطة عدد من المعلمين اللبنانيين. والمشكلة الاكبر بين اولاد المبعدين هي التربية في المدارس حيث تسود ثقافة العنف واعتماد النموذج الاوروبي مع ما يرتبه ذلك من مشكلات في العلاقة من ضمن العائلات. واعداد الاولاد في ارتفاع مستمر مع ارتفاع حالات الزواج بين الشباب والشابات المبعدين الذين يفضلون الزواج من ابناء جلدتهم على الزواج من فتيات عربيات اسرائيليات. وحال الانفصال هذه ليست وليدة عنصرية لدى اللبنانيين المبعدين ولكن نتيجة القيم الاجتماعية المختلفة التي يمارسها المجتمع الاسرائيلي حسب المطران صياح الذي يعتبر انه ليس سهلا على اللبنانيين الاندماج هناك، وهم يفضلون البقاء معا في جميع الاحوال أكانت فرحا ام حزنا.
اما العناية الوحيدة التي تقدمها الادارة الاسرائيلية فهي للمعوقين من العناصر السابقين في ميليشيا "جيش لبنان الجنوبي"، وعدا ذلك على الجميع ان يعملوا لتحصيل عيشهم وتسديد الضرائب المختلفة اسوة بالاسرائيلي العادي. وهكذا يجد المبعدون انفسهم وسط مجتمع صناعي رأسمالي لم يألفوه هم المقتلعون من مجتمع ريفي – زراعي في جنوب لبنان. ويعتبر المطران صياح ان الضغط اليومي الذي يعيشون في ظله والحرقة المستمرة لمصابهم، ولّدا شعورا من التضامن الاجتماعي بينهم يجعل الجميع يهتمون بمساعدة بعضهم البعض ومد يد العون الى اهاليهم في لبنان ايضا اذ يوفرون بعض المال لإرساله اليهم على امل اجتماع شمل العائلات يوما في لبنان.
المطران صياح الذي نقل جملة هذه الاجواء الى الرئيس سليمان وأطلعه على تفاصيل اوضاع اللبنانيين في اسرائيل، قال: "شكرته على خطاب القسم لأنني راعي هذه الابرشية ومن واجبي شكره والبحث في امكان ادراج هذا الموضوع في جدول اعمال الحكومة الجديدة". لكن المطران الذي خبر تجارب عدة في قضية عودة اللبنانيين من اسرائيل يشدد على ان "الامور ليست في يد الرئيس وحده بل هي رهن بما يريده المسؤولون اللبنانيون جميعا".
ويخلص الى "ان اللبنانيين جميعا في اسرائيل يريدون العودة اذا كان هناك حل جماعي، فليس هناك انسان يفرح بعيدا عن اهله ووطنه حتى لو توافرت له كل متطلبات الحياة".