ولاية الفقيه وإمكانية حرية الإعلام
إن أول ما استفاق عليه سكان بيروت، غداة خطاب السيد نصرالله وانتشار المسلحين فيها وبدأت المعارك المستعيدة ذاكرة الحرب الاهلية وسيرتها، كان الهجوم على صحيفة "المستقبل" منذ السادسة صباحا، وإطلاق أنواع من الصواريخ والأسلحة أحرقت الطابق الرابع بأكمله، وأصابت الطابقين الثالث والخامس. لكن الوقت المبكر للهجوم قلل من عدد الضحايا.
ثم تمّ الهجوم ايضا على تلفزيون "المستقبل"، وهوجمت إذاعة الشرق. أي هوجمت وسائل إعلام "تيار المستقبل" جميعها وتم تعطيلها.
لن ندخل هنا في التفاصيل، لكن ما أود الإشارة إليه أن إقفال صحيفة "المستقبل" وتلفزيونها، في إطار غلبة إعلامية واضحة لحركة 8 آذار، يعني رفض الصوت الآخر، وقمعه، وعدم تقبل أي اختلاف في الرأي والتعبير. إن الهجوم على وسائل الإعلام هذا شكل ضربة كبيرة لحرية الإعلام وحرية الصحافة في بلد طالما كان مركزا للصحافة الحرة والمتنوعة. هذا الهجوم المبكر على وسائل الإعلام يعدّ مؤشراً أكيدا على ما ينتظر لبنان في حال سيطرة "حزب الله" وحلفائه على لبنان، كما أنه يذكّرنا بحركات الانقلاب العسكرية التي كانت تحصل في القرن الماضي في العديد من دول العالم الثالث، حيث كان يكفي احتلال الإذاعة وإذاعة البيان رقم واحد منها حتى يكون قد تم الاستيلاء على السلطة.
من الملاحظ انه منذ انتهاء حرب 2006 بدأت لهجة ممثلي "حزب الله" بالارتفاع واستخدام التهديد والوعيد بالكلام، وباستخدام الإشارات الجسدية ايضا المهددة والمتوعدة، او ما يطلق عليه لغة الجسد، لكل مخالف أو معترض على سياسة "حزب الله"، أو على طرح موضوع سلاحه. إلى أن انفجر الوضع كما رأينا في 6 و7 أيار وما تبعها.
هذا في وقت يؤكد لنا فيه السيد نصرالله: "أنا اليوم أعلن وليس جديدا، أنا أفتخر أن أكون فردا في حزب ولاية الفقيه، الفقيه العادل، الفقيه العالم، الفقيه الحكيم، الفقيه الشجاع، الفقيه الصادق، الفقيه المخلص. وأقول لهؤلاء: ولاية الفقيه تقول لنا، نحن حِزْبُهَا، لبنان بلد متنوع متعدد يجب أن تحافظوا عليه".
ما معنى المحافظة على بلد متنوع في هذا السياق بعد أن تكون وسائل الإعلام المخالفة لوجهة نظر الحزب، وإعلاميوها والعاملون فيها قد تعرضوا الى ما تعرضوا إليه؟ في المقابل فإن نموذج الدولة التي تطبق ولاية الفقيه هي إيران، حيث لا مجال للافتخار بالحريات على مختلف الصعد، لا حريات شخصية، ولا حرية صحافة أو إبداء الرأي، ولا حتى حرية الترشح للانتخابات!؟ فبماذا تعدنا ولاية الفقيه انطلاقاً مما حصل في لبنان ومما هو معلوم عن إيران؟
لا يمكن الحديث عن الرأي العام دون الحرص على حرية التعبير والاتصال، واذا كان الاتصال صعباً أو مختزلاً أو مقموعاً فإن الرأي العام يصبح أقل استعداداً لأن يتشكل أو يتغير. إذن يكون الرأي العام أقوى في مجتمع حر، منفتح ومتقدم، عما هو عليه في مجتمع منغلق وبدائي. على أنه حتى في هذا الأخير لا يمكن تجاهل الرأي العام. الجهود لمعرفة الرأي العام كانت دائماً ميزة المجتمعات الديمقراطية. ذلك أن قوة وفعالية الرأي العام الأميركي هي التي سمحت مثلاً بمحاسبة كلينتون على كيفية استخدامه للمطار وللطائرة الرئاسية (كممتلكات عامة) لمآربه الشخصية (كسلوك خاص). والأمثلة أكثر من أن تحصى في هذا المجال.
فهل يلعب الرأي العام opinion publique في بلادنا الدور نفسه الذي يلعبه في الغرب؟ الجواب بسيط، وهو لا… لماذا؟ لسبب بسيط، لعدم وجود الفرد، المستقل، المسؤول وغير التابع، ولتقلص الحرية وممارسة الرقابة الذاتية، معظم الأحيان، بسبب القمع الظاهر والمبطن. هنا تأتي أهمية التسامح، الفكرة التي أطلقها جون لوك في أواخر القرن السابع عشر والتي حملت عنوان "رسالة في التسامح".
هذا دون أن نغفل أن مفردة التسامح غالباً ما تترافق مع معاني التعالي والقبول المشروط. فالأقليات التي تتمتع بالتسامح من قبل الآخرين غالباً ما تشعر أنها مقبولة بدافع الشفقة من دون أن يكون وجودها مضموناً بشكل نهائي.
إن هناك حاجة لما هو أكثر من التسامح. هناك حاجة لاحترام الآخرين وتقبّل أفكارهم وعقائدهم.
وهنا يجدر بنا قبول أن حرية التعبير تنطوي على إمكان أن نثير غضب الآخرين وحنقهم، وأن يثير الآخرون غضبنا وحنقنا. هذا هو الجوهر الحقيقي لهذه الحرية. ليس لحرية التعبير ان تكون إرضاء لأحد، إنها تحدٍ وتحريض. هذا ما يتحتم على أوساط حزب الله إدراكه وتعلم التكيف معه. لكن كيف يمكن التوفيق بين حرية التعبير هذه ومفهوم ولاية الفقيه التي يعتنقها حزب الله؟
تشرح مصادر حزب الله موقفها من ولاية الفقيه كما يلي: "لا علاقة لموطن الولي الفقيه بسلطته كما لا علاقة لموطن المرجع بمرجعيته. فقد يكون عراقياً او ايرانياً او لبنانياً او كويتياً او غير ذلك… فالامام الخميني كوليّ على المسلمين، كان يدير الدولة الاسلامية في ايران كمرشد وقائد وموجه ومشرف على النظام الاسلامي هناك، وكان يحدد التكليف السياسي لعامة المسلمين في البلدان المختلفة… هذا والارتباط بالولاية، كما يقول الشيخ نعيم قاسم – تكليف والتزام يشمل جميع المكلفين، حتى عندما يعودون الى مرجع آخر في التقليد، لأن الإمرة في المسيرة الاسلامية العامة للولي الفقيه المتصدي… اما الولاية فهي "مطلقة وعامة"، وهي تشمل كل صلاحيات النبي والأئمة المعصومين من دون نقصان أو استثناء.
ألا تعد سابقة استخدام السلاح بهذا الشكل تأكيداً على ما يفرضه تطبيق ولاية الفقيه على الصعيد الاجتماعي وعلى صعيد حريات الصحافة الاعلام؟ وما بدأت محاولات تطبيقه؟ لقد نقلت صحيفة الحياة بتاريخ 8 يوليو الخبر التالي:
"ولم يمرّ أمس وقبله من دون حوادث أمنية سجلتها التقارير الرسمية. وأشارت مصادر أمنية الى ان عناصر من «حزب الله» اعترضوا فريقاً من محطة "ال بي سي" التلفزيونية ظهر أمس في منطقة بشامون وطالبوه بتسليم كاميرا التصوير والشريط الذي فيها وأصروا على هذا التدبير. ولم ينفع اتصال الفريق التلفزيوني بالجيش الى أن تدخلت إدارة المؤسسة واتصلت بقيادي في الحزب. ولم يُسلّم الشريط والكاميرا إلا بعد الاطلاع على ما يتضمنه.
أليس هذا دليلاً جديداً على الممارسات التي تنتظر لبنان في حال استمرار الوضع على ما هو عليه لجهة احتفاظ حزب الله بسلاحه الموجّه إلى الداخل؟