Site icon Lebanese Forces Official Website

إما حكومة… وإما الشارع؟

إما حكومة… وإما الشارع؟

لم ينجح رئيس الوزراء المكلف فؤاد السنيورة حتى الآن في تأليف الحكومة الاولى في العهد الجديد بالتعاون مع سيده الرئيس العماد ميشال سليمان. لكن ذلك لا يعني انه تأخر كثيراً قياساً على تجارب الماضي. فهذا النوع من العمل كان يستغرق في السابق وخصوصا في اوقات الشدة، وما اكثرها في لبنان، اسابيع. الا ان اخفاقه في ذلك الى الآن يثير قلق اللبنانيين الذين يفضلون ان ينجز مهمته في سرعة وان ينصرف معها ومع رئيس الجمهورية ومجلس النواب إلى العمل الجاد بغية اعادة بناء دولة لم تعد فيها مؤسسة سليمة، والالتفات الى هموم الناس الاجتماعية والمعيشية والاقتصادية بعدما بلغ الغلاء في بلادهم مستوى قياسيا ليس فقط بسبب تطورات عالمية معروفة تطول قطاعات مهمة وحيوية بل مثل الغذاء والنفط بل ايضاً بسبب الجشع الذي يسيطر على الكثيرين من "الكبار" في البلد ومن "الصغار" وبسبب عقلية "من بعد حماري ما ينبت حشيش" المسيطرة على ما يبدو على عقول جماعات وافراد وما بينهما.

ويعود تفضيل اللبنانيين السرعة في التأليف الى ما عانوه في السنوات القليلة الماضية سياسياً وامنياً واقتصادياً بل ووطنياً وبلغ ذروته في ايار الماضي عندما انتقلت المذهبية المستيقظة والمستنفرة الى الشارع فضربت الاستقرار وفتحت الباب امام حرب مذهبية لن تبقي ولن تذر. ويعود تحديدا الى خوفهم من ان الفشل في تأليف الحكومة سيطلق حرب الشوارع من جديد.
ولن يكون ذلك بالامر الصعب في ظل استمرار مفاعيل "العملية العسكرية الموضعية النظيفة" التي قام بها "حزب الله" في السابع من ايار الماضي والتي تتجلى يومياً باشتباكات متنقلة بين الزواريب والاحياء وايضاً بين القرى في المناطق.

طبعاً لا يعني ذلك ان قادة الشعوب اللبنانية المختلفة على كل شيء بما في ذلك الوطن يريدون الحرب الاهلية او المذهبية وفي مقدمهم "حزب الله" و"تيار المستقبل". ولا يعني ان حلفاءهم الاقليميين يريدون هذه الحرب بدورهم ولا يبذلون الجهود لعدم نشوبها. الا انهم، رغم رفضهم لها، لا يبذلون كل ما يستطيعون من جهد لمنعها بل لإزالة اسبابها. ذلك ان كلا منهم يتمسك بالاستراتيجيا التي تبنّى وبالمطالب التي رفع وبالاخرى التي يضمر والتي لا تسمح له الظروف باعلانها الآن، رغم معرفتهم كلهم باستحالة تحقيق التوافق في ظل التمسك المذكور وسهولة الانزلاق بسبب ذلك نحو الحرب والفتنة. والمقلق في هذا المجال ان هؤلاء القادة، وتحديدا الاثنين المذكورين اعلاه، لا يأخذون جدياً الاحتمالات المخيفة التي قد ترى النور اذا تعذر الاتفاق ويظهرون نوعاً من الاعتداد بالنفس بل من الغرور والقدرة على الانتصار، وان انتقل الصراع المذهبي في السياسة الى الشارع. والغرور يعمي الابصار.

وكي لا يبقى هذا الكلام عمومياً لا بد من لفت "حزب الله" والشعب الذي يمثل الى ان حديث اكثر من جهة سياسية واعلامية عن خطر الاصولية الاسلامية السنية التكفيرية المؤمنة بالعنف حلا لكل المشكلات بل عن احتمال اجتذابها السنة اللبنانيين بمن فيهم غالبيتهم المعتدلة بقصد حمايتهم من "حزب الله" واصوليته الشيعية وانتمائه الايراني المزدوج بانتمائه اللبناني، وهذا الكلام ليس تهويلاً، وقد يتحقق في أسرع مما يظنون. ولا بد من لفتهم الى ان امساك بعض حلفائهم الاقليميين بقادة من هؤلاء الاصوليين او بمجموعات لا يعني ان غالبية الاصوليين يمكن ان تكون ممسوكة من الحلفاء انفسهم. كما لا يعني ان الممسوكين لن يغيروا بعد ان يدركوا شيئاً من القوة في مواقفهم ويعودوا تاليا الى اصوليتهم. وما جرى بين "القاعدة" التي انشأتها اميركا، واميركا لاحقاً من حروب خير دليل على ذلك. وما كاد ان ينشأ في شمال لبنان من امارة لـ"فتح الاسلام" التي يعرف اللبنانيون من دعمها وادخلها الى شمال بلادهم دليل آخر على ذلك. والاخطر من كل ذلك اعتداد "حزب الله" بجيشه الجرار وآلته العسكرية المتنوعة واعتماده عليهما لمواجهة الاصولية السنية. واذا كان الاعتداد في محله فإن الاعتماد ليس كذلك. لان مجرد مبادرة الحزب الى الحسم او محاولته، سواء نجح فيه او فشل، لا بد ان يطلق حرباً مذهبية شعواء قد لا تبقى محصورة داخل لبنان. علماً انها قد تدمّره.

وكي لا يبقى هذا الكلام عمومياً ايضاً لا بد من لفت "تيار المستقبل" الى ضرورة ضبط شارعه، رغم الاستفزازات الخطيرة التي يتعرض لها من المعسكر الآخر، من دون التخلي عن المقاومة السلمية لمشروعات الهيمنة على البلاد بحجج المشاركة والتوافق وما الى ذلك. ذلك ان الاحجام عن الضبط يكون نوعا من الوقوع في "الفخ" الذي ينصبه الاصوليون التكفيريون للنجاح في اجتذاب الناس والقضاء على الاعتدال السني ولمحاربة التنوع اللبناني الطائفي والمذهبي، وتحديداً لمحاربة "النصارى والروافض" او ربما لاقتسام البلد مع الروافض على طريقة قسمة الامر الواقع وذلك ريثما يحين اوان الحسم النهائي للمواجهات الكبيرة الدائرة في المنطقة. اما "النصارى"، كما يسميهم الاصوليون التكفيريون، فلن يكونوا في حال كهذه الا ملحقين بالفريقين الاصوليين الاسلاميين المتحاربين. وبذلك يكونون اول من يدفع الثمن عندما يخسر حليفهم وآخر من "يقبض" اذا انتصر. وكلمة ملحقين في هذا العصر تعني بلغة الماضي انهم سيكونون في ذمة القوي. اي بعضهم في ذمة "حزب الله" او من يحل مكانه مستقبلا، وبعضهم الآخر في ذمة الاصولية السنية التكفيرية.

في النهاية ان غاية هذا الكلام ليست النفخ في الطائفية والمذهبية رغم صراحته الفجة، بل التحذير منهما ولفت قادة كل الشعوب اذا كانوا قادة فعلاً كي يقودوا لبنان نحو التعايش السلمي المتساوي. ذلك ان اي قيادة فئوية له ستدمره على رؤوس الجميع.

Exit mobile version