وسط خشية عربية وغربية على الوضع الداخلي في ظل تطورات إقليمية متسارعة
إستعجال تشكيل الحكومة حماية لانطلاقة العهد واتفاق الدوحة
يرغب عدد من سفراء الدول الاجنبية، والغربية منها خصوصاً، في الانتهاء سريعاً من موضوع تأليف الحكومة، ليس لاعتقادهم ان غلق هذا الملف الشائك يتيح لهم الذهاب في عطلاتهم السنوية خارج لبنان باطمئنان نسبي الى ان شيئاً كثيراً لن يحدث خلال هذه المدة، بل لاعتقاد غالبيتهم ان تخطي نهاية الاسبوع الجاري من دون توافق على الحكومة سيكون بالغ السلبية في مؤشراته وانعكاساته. لذلك دأب معظمهم على توجيه رسائل بهذا المعنى وتقديم النصح الى المسؤولين اللبنانيين بضرورة تقديم تنازلات والتعجيل في تأليف الحكومة لاعتبارات متعددة، منها في الدوحة الاولى القلق المتزايد من التوترات الأمنية المتنقلة وخصوصاً ما شهدته منطقة البقاع وان يكن الهدوء النسبي عاد اليها في اليومين الماضيين. اذ ان هذه التوترات لا ينظر اليها على انها مجرد ردود فعل بمقدار ما تشكل بالنسبة اليهم مؤشرات خطرة الى ان "الحرب" التي قامت خلال شهر ايار لم تضع اوزارها في اتفاق الدوحة وان لها استتباعات اخرى.
ويحتاج هؤلاء الى رؤية الحكومة في سرعة خشية ان يفقد اتفاق الدوحة والدينامية التي احدثها انتخاب العماد ميشال سليمان رئيساً زخمهما بعد طغيان الحسابات والمصالح الخاصة جداً على الواجهة. ولا يبدو هؤلاء مقتنعين بالمنطق الذي يشدد عليه البعض في الاكثرية والمعارضة على حد سواء والقائل بأن تأليف لحكومة لا يزال من ضمن المهلة المعقولة التي لا تسمح بالهلع من الآن على ازمة حكومية مفتوحة قد تستمر اشهراً مع احتمالات انعكاس ذلك على الوضع الامني. كما لا يبدون مقتنعين بقدرة اللبنانيين على انجاز تأليف الحكومة وحدهم، ويرون ان العراقيل ربما اعادت المسؤولين القطريين الى الواجهة لعدم رغبة هؤلاء في السماح برمي جهودهم واضاعتها على الأقل، وتالياً احتمال بذلهم جهوداً جديدة من اجل التوافق على الموضوع الحكومي.
لكن ذلك يعتبر بالغ السلبية في تأثيره على عهد الرئيس سليمان في انطلاقته لأنه يعني عدم رغبة الافرقاء اللبنانيين، او بعضهم على الأقل، في ان تكون الرئاسة الاولى المرجعية التي يمكن اللجوء اليها بدل الخارج لدى وقوع اي مشكلة. كما يثبت عدم وجود رغبة لدى هؤلاء في ان يتمكن المسيحيون عبر الرئيس سليمان من احداث التوازن السياسي المطلوب في لبنان باعتبار ان هذا التوازن لن يحدثه إلا الدور المسيحي الذي اختل منذ التحاق الاطراف المسيحيين بالآخرين وعدم اتاحتهم المجال في الوقت نفسه لرئيس الجمهورية للاضطلاع بهذا الدور وسعيهم الى تعطيل ذلك او منعه.
والجدير بالذكر ان معظم هؤلاء الديبلوماسيين يهمهم ان ينطلق عهد الرئيس سليمان بقوة، وان يمسك بنفسه المبادرة ولا يتركها لافرقاء الداخل لأنهم لن يتيحوا له المجال ليمارس صلاحياته ويأخذ موقعه الا بالتراضي. وقد لفتهم ما قاله عن امكان الدعوة الى حوار داخلي في حال عدم التوصل الى اتفاق على الحكومة من دون ان يلقى اقتراحه اي صدى او تعليق.
الكثير من الخشية الديبلوماسية الغربية، وحتى العربية، على الوضع الداخلي لا ينطلق من هذه الاعتبارات فحسب وان تكن كافية في ذاتها للاستمرار في استنقاع الازمة وربما تفاقمها، بل يستند ايضاً الى مجموعة من التطورات الاقليمية المتسارعة والتي ينبغي ان تكون موضع مراقبة ومتابعة دقيقتين نظراً الى انعكاساتها المحتملة على لبنان. فهناك من جهة الاتفاق الامني بين الولايات المتحدة والعراق الذي اثار رفض ايران المطلق وفق ما أبلغ مرشد الجمهورية الاسلامية الايرانية السيد علي خامنئي الى الرئيس العراقي نوري المالكي، وهو اتفاق يعتقد كثيرون انه سيتم توقيعه بين الطرفين في نهاية الامر وربما قبل نهاية الشهر المقبل، وانه سيفرض واقعاً جديداً مؤثراً جداً على جيران العراق كايران وسوريا اذ ان وجود قواعد اميركية لن يكون سهلاً بوجود النفوذ الايراني هناك والطموحات الايرانية الى ما هو ابعد من العراق. كما ان موافقة الشيعة العراقيين وتوقيعهم الاتفاق الامني مع اميركا والذي تسري مفاعليه لسنوات، مع ما يستتبع ذلك من ترجمة عملانية، يترك انعكاساته حتى على "حزب الله" في لبنان وارتباطاته بأمور متعددة. وهناك من جهة اخرى الصراع العربي – الايراني الذي شــكل الكلام الأخير لوزير الخارجية المصري احمد ابو الغيط أكبر مؤشر اليه، فضلاً عن ان عدم رغبة الرئيس المصري حسني مبارك في لقاء نظيره في ليبيا انسجاماً في الموقف مع المملكة العربية السعودية لا يتصل تماماً برعاية سوريا تعطيل المسار السياسي والديموقراطي في لبنان من انتخابات الرئاسة الى تاليف الحكومة، بل بما تشكله سوريا من جسر عبور لايران من اجل وضع يدها على لبنان جنباً الى جنب مع النفوذ السوري. وانعكاسات كل ذلك تستمر بالغة الخطورة على لبنان ما لم يتلقف اللبنانيون حل مشاكلهم بالحد الممكن الذي يراعي مصالحهم.
والى هذا التطور البالغ الاهمية في المعطى الاقليمي، هناك تطورات المسار السوري – الاسرائيلي الذي وان تكن دمشق عمدت اليه في رأي بعضهم من اجل تخفيف الضغوط عليها وفك عزلتها، فضلاً عن كسب الوقت او شرائه في انتظار ان تلتقط انفاسها على ما بدأ يحصل من حيث الانفتاح الاوروبي خصوصاً في اطار تشجيع مفاوضات السلام، فان لهذا التطور مترتبات اخرى في المرحلة المقبلة لا يجوز اهمالها او تجاهلها في الاتجاهين المحتملين السلبي والايجابي. وكل ذلك لا ينفصل عن الانتخابات الاميركية المرتقبة في الخريف المقبل، فضلاً عن الضغوط الجارية على ايران من اجل تحقيق تسوية في الملف النووي الايراني قبل نهاية ولاية الرئيس جورج بوش.