من حال دون وصول عون الى رئاسة الجمهورية هو عون نفسه
فهل يُعيد تموضعه بعدما تثبّت من تداعيات "تطرفه"؟
لهذه الأسباب سيكون سليمان أقوى رؤساء الجمهورية في لبنان
قبل أشهر، لم يكن كثير من المراقبين يفهمون على أحد زعماء لبنان السياسيين، وهو يقول أمامهم إن الذي يمنع العماد ميشال عون من الوصول الى رئاسة الجمهورية هو العماد ميشال عون نفسه.
لم يكن هؤلاء المراقبون يفهمون أبعاد هذا الكلام، لاقتناعهم الضمني بأن الزعامة السنية في لبنان لا تريد رئيساً قوياً لرئاسة الجمهورية يأخذ وهجاً من رئاسة الحكومة، أو يقاسمها الحقائب "الدسمة" في التركيبات الحكومية.
ولكن منذ اتفاق الدوحة بدا أن مجموعة كبيرة من هؤلاء المراقبين قد غيّرت رأيها، وباتت على قناعة بأن من حال دون وصول العماد عون الى رئاسة الجمهورية لم يكن سوى عون نفسه.
هذه القناعة الجديدة تعود الى كثير من المعطيات التي أظهرت أن "الثوابت" التحليلية السابقة لم تكن سوى أوهام بنتها "بروباغندا" متمادية، أسّس لها بامتياز نظام الوصاية السوري وبرع باللعب عليها اللواء جميل السيد "صانع أميل لحود الرئيس".
كيف تحوّلت هذه القناعة؟
من الواضح منذ اتفاق الدوحة حتى اليوم، أن الطائفة السنية بزعامة سعد الحريري لا تريد سوى رئيساً قوياً للجمهورية اللبنانية، فهي عندما مشت الى آخر الطريق مع العماد ميشال سليمان حتى وصوله الى القصر الجمهوري في بعبدا، كانت تعرف جملة من الحقائق، لعلّ أبرزها الآتي:
أولاً، إن المجتمعين العربي والدولي سوف يقفان بقوة الى جانب الرئيس الجديد للجمهورية، وسوف يتعاطيان مع لبنان من بوابة قصر بعبدا.
ثانياً، إن العماد ميشال سليمان حين يصل الى رئاسة الجمهورية، فهو سيكون مدعوماً حتماً من المؤسسة التي خرج منها أي من المؤسسة العسكرية التي تملك قدرات هائلة على تعميم صورتها على سائر المؤسسات العسكرية والأمنية في لبنان.
ثالثاً، إن العماد ميشال سليمان سيتمكن من "مصالحة" بكركي مع رئاسة الجمهورية، بحيث تتّحد الشرعيتان المارونيتان الأساسيتان، في الرؤية والهدف والآليات.
رابعاً، إن المسيحيين في لبنان، يتقدمهم مسيحيو الرابع عشر من آذار، لن يرضوا إلا أن يقفوا مع رئاسة الجمهورية، من أجل تقوية مركزها وفعاليتها في الحياة السياسية اللبنانية، وهذا يفترض وصول رئيس للجمهورية يملك موصفات "الإسفنجة"، وهي مواصفات من الصعب توافرها إلا في نخبة ضئيلة يتقدمها الرئيس سليمان نفسه.
وهذه الحقيقة، على أهمية المعطيات المذكورة أعلاه، لم تكتمل إلا بالوقائع "الجنينية" التي تسبق ولادة الحكومة العتيدة، وأهمها على الإطلاق التسليم بمرجعية رئيس الجمهورية الأمنية من خلال الموافقة المبكرة على وضع وزارتي الداخلية والدفاع بعهدته، وتقديم كل التسهيلات اللازمة لإعطاء دفع لانطلاقة العهد، سواء بالعروض "الجاذبة" للأقلية أم بالتضحية بالشخصانية من خلال امتصاص نقمة الشارع على الأداء التقصيري للمؤسسة العسكرية في مواجهة العدوان المتكرر لميليشيا "حزب الله" التي لا تتوانى عن استعمال سلاح المدفعية في دك البلدات "العاصية"، كما حصل في الجبل في أيار الماضي، وكما حصل في عرسال قبل أيام.
وهذه الحقيقة ربما بات يُدركها العماد ميشال عون متأخراً، وهو يرى كيف كان "تنازل" الأكثرية عن وزارة المالية سهلاً للغاية، عندما وضعته القوى الحليفة له في الواجهة لإخفاء ما تضمره هي من مطالب.
ولعلّ هذا الأنموذج من التعاطي يدفع العماد عون الى إعادة حساباته، ليُدرك أنّه لو عرف كيف يتموضع في نقطة وسطية في البلاد لكان فعلاً قد وصل الى رئاسة الجمهورية، على اعتبار أن قوى الرابع عشر من آذار، على الرغم من عوارض "الأنانية" التي تضربها بين حين وآخر، هي محصنة ضد كل ما من شأنه تعريض سيادة لبنان واستقلاله للخطر، وهنا لا بد له من أن يتأمّل ملياً في الأسباب التي دفعت الدكتور سمير جعجع، على سبيل المثال، الى التراجع عن مآخذه على ترئيس العماد سليمان كما عن معارضته العنيفة لإعطاء الثلث المعطل للأقلية في الحكومة العتيدة.
وفي هذا السياق، وخلافاً لما يمكن أن يتصوّره البعض، فإن وصول العماد عون الى رئاسة الجمهورية، بالوضعية التي انتهى إليها، كان يعني القبول بوصول رئيس ضعيف للجمهورية الى لبنان، لأن رئيساً يخوض "حرب إلغاء" ضد بكركي وضد قيادات مارونية أساسية وضد المبادئ التأسيسية للدولة اللبنانية، هو رئيس من السهل الإيقاع به والسير بعهده الى الهريان، تماماً كما انتهت عليه حال رئاسة أميل لحود المرتهنة ليس للوصاية السورية فحسب بل لوصاية "الفرد في ولاية الفقيه" المقيم في الضاحية.
وتأسيساً على هذه اللمحة السريعة لحقائق لبنانية أساسية، قد يكون مفيداً أن يُعيد العماد عون حساباته فيتموضع في مكانه الصحيح ويكون دعامة استقلالية حقيقية، وإلا فإنه من مصلحة المسيحيين أن يُواجهوا هذه المعطيات بتجرد، حتى يعفوا عقولهم من الوقوع مجدداً في تجربة الشعارات المسقطة للاستقلال والجاذبة للدمار والموت و"ثقافة".. الباسيج.