بيروت في مقابل البصرة أم النجف في مقابل قم؟

بيروت في مقابل البصرة أم النجف في مقابل قم؟

بغداد ـ وسام سعادة
تقارب شخصيات سياسية ودينية نافذة في العراق أحداث بيروت وصلح الدوحة وما بعده، انطلاقاً من تأكيدها على مركزية الوضع العراقي بالنسبة إلى عموم المنطقة، مع التذكير بمشتركات غير قليلة بين الوضعين العراقي واللبناني.

فلئن كان لبنان يعيش مخاضاً سياسياً وأمنياً لم يتوقف منذ ثلاث سنوات، وفي اثر الانجاز التاريخي الذي حققته الحالة الاستقلالية بإجلاء القوات السورية، مستفيدة في ذلك من انفضاض الوكالة الدولية المعطاة آنفاً لهذه القوات، فإن العراق يشهد مخاضاً بأكلاف أشد وأحجام أكبر، بعد اسقاط النظام البعثي فيه بواسطة الحملة العسكرية الأميركية، وعودة القوى السياسية من المنافي القسرية.

ولئن استطاعت ايران توسيع دائرة نفوذها في لبنان، ودفعت وكلاءها فيه إلى ابراز ارتباطهم العضوي بحرسها الثوري أكثر من أي وقت مضى، بحيث حصلت حرب تموز، لا كإسهام ايراني في الصراع العربي الإسرائيلي، بل كأول مصادرة ايرانية خالصة لهذا الصراع، فإن ايران استفادت أكثر بكثير من الاحتلال الأميركي للعراق، بحيث إن الهزيمة التي منيت بها في الثمانينيات على يد صدّام حسين، قد تحوّلت الى "انتصار"، مع سقوط صدّام حسين، ولو بمفعول رجعي. ايران المهزومة أمام صدّام كانت مضطرة اقليمياً لكبح جماح "تصدير الثورة"، وكانت مضطرة داخلياً لاعادة مناقشة نظرية ولاية الفقيه المطلقة لا سيما بعد رحيل الامام الخميني.

أما ايران المنتشية من رؤية صدّام حسين يطاح ويعتقل ثم يعدم بنفس مذهبي خالص، فهي عملت على الجمع بين متناقضين: الاستفادة من ظروف الاحتلال الأميركي للعراق، إلى حد التأكيد بأن العراق الجديد إما أن يبنى بالشراكة الأميركية الإيرانية أو لا تقوم له قائمة، والعودة من جهة أخرى إلى سياسات "تصدير الثورة". فما عادت ولاية الفقيه في موقع الدفاع الداخلي عن حجيتها، كما كانت في أيام السيد محمد خاتمي، وانما صارت ولاية مبادرة الى الجهاد الابتدائي، بالاتكاء على النموذج الناجح ايرانياً، أي حزب الله اللبناني، من حيث هو الحزب الجماهيري المسلّح الوحيد خارج ايران الذي يعلن انتسابه لولاية الفقيه المطلقة، فيستعاض به عن "أممية اسلامية" كان يحلم نظام الملالي بتشكيلها في مطلع الثمانينيات.

تجمع ايران بين "الاستثمار في نموذج حزب الله"، اذ يبدو هذا التنظيم بمثابة المنتخب الذهبي الذي يدرّب ويوجّه لنيل الكؤوس والميداليات، وبين محاولة "ترويج حزب الله كنموذج". وهنا كانت الحدود التي ما استطاع النفوذ الايراني في العراق، الداخل من بوابة الاحتلال الأميركي لهذا البلد، أن يتجاوزها: تفرض ايران نفوذها على معظم التشكيلات السياسية للشيعة في العراق، لا سيما وأن عدداً من هذه التشكيلات كانت لاجئة الى ايران في المرحلة السابقة. الا أن هذا النفوذ ليس بمستطاعه أن يحوّل أي من هذه التشكيلات الى نموذج حزب اللهي آخر، بما في ذلك "جيش المهدي".

وإذا كان ثمة من كان يراهن في ايران على امكان تحويل "جيش المهدي" الى حزب الله آخر، أيديولوجياً وعسكرياً، فإن النجاح الذي حققته حكومة نوري المالكي والقوات العراقية في اشتباكات البصرة، وتمكنها من لجم الحالة الميليشياوية والمغالية مذهبياً هناك، قد بدّد كل هذه الأوهام.

لقد تعرّضت السياسة الايرانية في العراق لضربة مؤلمة بنتيجة أحداث البصرة، الا أن الضربة الأشد ايلاماً انما تتمثّل بالتحسّن الأمني العام المحقّق بعد قيام مجالس الصحوة في الأنبار وطرد القاعدة من هناك، ومن ثم النجاح الأمني سواء في أحداث البصرة أو في أحداث الموصل أو في تطويق القلاقل في الشعلة ومدينة الصدر. كلما تعافى العراق أمنياً، كلما كان يفرض على السياسة الايرانية فيه مصاعب حقيقية.

لقد اختارت حكومة نوري المالكي أن تواجه الميليشيات المسلّحة من ايران في البصرة، وفاقت جرأة الحكومة في ذلك موقف القوات البريطانية في تلك المدينة، اذ كانت الأخيرة أميل الى مهادنة الحالة الميليشياوية للتقليل من الاصابات في صفوف البريطانيين. لا يعني ذلك أن حكومة نوري المالكي تعمل على مواجهة ايران، خاصة وأن النفوذ الايراني ليس يمكنه أن يغيب لا عن حزب الدعوة ولا عن المجلس الأعلى للثورة الاسلامية، لكن ما يهمّها هو ابعاد المسدّس الترهيبي الذي توجّهه ايران اليها، في مرحلة انبثاق المعاهدة المزمنة الأميركية العراقية.

كما أنّ حمل التيار الصدري على الانكفاء، أو على شيء من الواقعية، من شأنه أن يلجم الرهانات الأكثر تطرّفاً في ايران، تلك الرهانات التي لا ترى الى العراق الا كساحة لتصفية الحساب حيناً، وللعرض والطلب حيناً آخر، مع الجانب الأميركي.

لأجل ذلك، لم يكن عجيباً ولا نافلاً، أن ينظر العراقيون إلى أحداث بيروت التي تلت أحداث البصرة، على أنها بمثابة "الانتقام الإيراني". ضُرب نفوذ ايران في البصرة، فقرّرت الرّد في بيروت. طبعاً، هذا ما لا يفهمه أولئك الذين يصرّون على أن كل رسالة حزب الله في هذه الدنيا هي اطلاق الأسير سمير القنطار واستعادة مزارع شبعا ومنح حقيبة سيادية لتيار العماد ميشال عون. لكن المقاربة العراقية الاستراتيجية "أحداث بيروت كرد على أحداث البصرة" هي أكثر من وجهة نظر عارضة أو محتملة، وأكثر من تحليل. هذه المقاربة تحكم في أقل تقدير توجهات المسؤولين العراقيين الآن وهم يفاوضون ايران، أو يتلقون منها رسائل أمنية.

لكن، ماذا يعني أن ترد ايران على انتكاسة "مشروع تحويل جيش المهدي الى حزب الله آخر" في البصرة، باطلاق العنان لمشروع "تحويل حزب الله الى جيش مهدي آخر" في أزقة وشوارع بيروت؟ من وجهة النظر العراقية، هي تريد قطع الطريق أمام أي تواشج بين محور "الاعتدال العربي" وبين الحكومة العراقية، بحيث تصير الحكومة العراقية نفسها، محاصرة موضوعياً من "الاعتدال العربي" ومن "التطرف العربي" في آن، فيسهل حينها ارجاع هذه الحكومة الى الحظيرة الايرانية.

أما من الجانب اللبناني، فيعني ذلك أن ايران وبمثل ما تبذل الغالي والنفيس على سبيل "الاستثمار في نموذج حزب الله"، الا أنها لا تتورّع عن التضحية بالمهابة المعنوية التي كانت للحزب، بجعله يجرّد حملة مسلّحة ومذهبية، من النوع الذي اشتهر به "جيش المهدي".

كما أن نموذج حزب الله بدوره، وبدل أن ينكب على الشؤون اللبنانية، والأزمة لم تفتر بعد، فإنه يدلي بدلوه أكثر من ذي قبل في الشأن العراقي، ويعلن دعمه للمقاومة العراقية. لكن عن أي مقاومة عراقية يتحدّث السيد نصر الله ­ يسأل العراقيون؟ البعثيون وتنظيم القاعدة، أم جيش المهدي، أم التنظيم الذي يرعاه حزب الله اللبناني في العراق، والذي من الواضح أنه عقد علاقات مع كل هذه الأطراف، بمن فيها القاعدة؟

عند هذه العتبة، يتضح الفارق بين الأبعاد التي اتخذتها "المسألة الشيعية" في العراق، وتلك التي اتخذتها في لبنان. في البلدين تطرح المسألة نفسها على خلفية السؤال عن علاقة التشيّع العربي بالتشيّع الإيراني، وسبل "فطم" العلاقات بين التشيعين، لجعل قيام الدولة الوطنية المتعافية والحريصة على عدم هدر الطاقات، كما الثروات، أمراً ممكناً، سواء في العراق أو في لبنان.

بيد أن المسار الذي اتخذته "المسألة الشيعية" في مرحلة المخاض الوطني العام يختلف تماماً في العراق عنه في لبنان. في لبنان، اقتنص نظام الملالي لحظة الاجتياح الاسرائيلي للبنان، ليبعث بالآلاف من حرس الثورة الايرانية الى منطقة البقاع أواخر العام 1982، ويؤسس لحالة مرتبطة تماماً، أيديولوجياً وسياسياً واجتماعياً ومالياً، بنظرية ولاية الفقيه المطلقة، وبشعارات الثورة الإيرانية جميعها. في العراق، عانت الشيعة في الثمانينيات من اتهام في عروبتها وجهها لها صدّام حسين، وآثر قسم كبير من الشيعة ردّ التهمة عنه بالتبسّل في مقاتلة القوات الإيرانية وتكبيدها هزائم أصابت الثورة الإيرانية في أواخر الثمانينيات بالإنتكاسة والإحتباس. لكن ذلك لم يوقف الاضطهاد الصدّامي للشيعة، خصوصاً بعد هزيمة صدام أمام "عاصفة الصحراء"، وتفجّر الانتفاضتين الكردية شمالاً والشيعية جنوباً، وتلكؤ "التحالف الدولي" الذي كان يمتد من أميركا حتى نظام حافظ الأسد في سوريا، عن اسناد الانتفاضتين، ما أدى الى أعمال تطهير عرقي ومذهبي فظيعة. وإذا كان قسم مهم من شيعة العراق لم يجد سبيلاً له سوى المنفى، بل إن جزءاً من هؤلاء قد نزع عنه صدام حسين الجنسية ونقله الى منطقة الحدود العراقية الايرانية، فإن القيادات الشيعية العراقية التي لجأت الى ايران، بل أيضاً تلك التي صنعت نفسها في ايران، لم تقم أي منها بمبايعة شرعية من الناحية الفقهية لنظام الملالي في ايران، ولا قالت أي منها بولاية الفقيه المطلقة المعطاة لمرشد الثورة الإيرانية.

ظلّت ثنائية حوزة النجف في مقابل حوزة قم حاضرة في الأذهان، بالرغم من تعطّل حوزة النجف على امتداد عقود الديكتاتورية البعثية. واذا كان آية الله السيد علي السيستاني قد عوّض الى حد كبير عن هذا الغياب، بعد سقوط نظام صدّام، الا أنّه وبرغم تعبيره للقاصي والداني عن شكوكه حيال أطماع ايران في العراق، بل وظنّه بالأجنحة الأكثر "توسعية" في ايران ظنّ السوء في ما يلي السياسة المعتمدة تجاه شيعة العراق، فإن قسماً كبيراً من الشيعة العراقيين لم يستطيعوا تجاوز الحاجز النفسي المتمثل بكون السيستاني ولد في مدينة مشهد شرق ايران، وتتحدر عائلته من مدينة سيستان في الجنوب الشرقي، حيث كان جدّه الأعلى السيد محمد السيستاني شيخ الإسلام في المدينة في زمن حسين شاه الصفوي. وعند هذه العتبة، يعجب شيعة العراق: لماذا ترفع في لبنان صور لمرشد الثورة الإيرانية الحالي السيد علي خامنئي، الذي هو في آخر الأمر زعيم دولة أجنبية؟

لا تجد جواباً مباشراً ومقنعاً عندما يباغتك العراقيون بهذا السؤال. لكن عندما تدخل "الحضرة الكاظمية المقدّسة" وتدور في جوار مرقدي الإمامين الكاظم والجواد، أو تتفرس في وجه الطائفين بالمكان، وحينما ترفع رأسك للتحديق في هذه التحفة المعمارية الآسرة، فإنك تمتلك عنصراً من عناصر الجواب: للتشيّع العراقي معالم حضارية تحميه، وتجعل له شخصية قائمة بذاتها، ويصعب عليها تقبل "ولاية الفقيه المطلقة".

أمكننا استكمال هذا العنصر لاحقاً في لقاء حواري فكري وسياسي مسهب مع آية الله السيد حسين الصدر، المرجع الفقهي الكبير. يرى سماحته أن الثورة الإيرانية أساءت بالمحصّلة للتشيّع الإثني عشري أكبر اساءة، وأفقدت رجال الدين مهابتهم في المجتمع الإيراني، فصاروا يأنفون الخروج من الحوزة، كما أن هذه الثورة قلبت سلّم التشيّع رأساً على عقب، وما عاد الرسوخ في علوم الدين ضرورياً عندها للافتاء في أمور الدين، وصار الدين مفردة سياسية لا أكثر.

هنا، بين ثنايا المكتبة العامرة بكنوز التراث، أخذ السيد حسين الصدر يشرح لنا الفارق الكبير، كل الفارق، بين نموذجي السيد محمد باقر الصدر والسيد موسى الصدر من جهة، وبين نموذجي المرشدين الخميني والخامنئي.

تسأله عن الخميني، يقول لك إنه عارف في الفلسفة أكثر مما في أصول الفقه، وبأن ولاية الفقيه المطلقة هي رؤية أيديولوجية، أكثر منها تأصيلاً فقهياً. تسأله بعد ذلك عن الخامنئي، فيقول لك بأنه اذا كان الخميني عارفاً في الفلسفة دون أصول الفقه، فكيف حال خلفه، الذي قلّ نصيبه في ميدان الفلسفة بمقدار ما قلّ في ميدان أصول الفقه. لا حاجة بعد ذلك لأن تسأل عن الأسماء الأخرى. هنا في الكاظمية، الناس غير مبالية بما يعتقده البعض عندنا في لبنان على أنها أسماء لا تنتهي. والظواهر المرتبطة أكثر من اللزوم بفرد دون سواه تزول مع زوال الفرد. هذا أيضاً أمكن تعلّمه من شروحات السيد حسين الصدر.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل