لبنان وفواتير سلام الآخرين مع إسرائيل
يصعب على اللبنانيين أن يفصلوا بين تاريخ حروبهم الأهلية، وبين محطات التفاوض على السلام العربي – الإسرائيلي، فهي عامل أساسي ملازم للعوامل الأخرى المحلية بمعناها الطائفي والمذهبي، والإقليمية المرتبطة برغبات النفوذ الجيوسياسي لدى الدول المحيطة بلبنان. وهذا ما كرّس تعبير لبنان – الساحة بدلاً من الوطن المسيّج الحدود والذي يتمتع بالحد الأدنى من السيادة، التي ظلت مفقودة على مدى العقود الأربعة الماضية. ومشكلة "السلاح"، الفلسطيني في السبعينات والثمانينات من القرن الماضي ثم السوري في الثمانينات والتسعينات، والميليشيوي ذي الامتدادات الخارجية في السبعينات والثمانينات، وسلاح "حزب الله" في بداية القرن الحالي لازمت عملية البحث عن السيادة المفقودة للدولة، وهو عنوان لازم أيضاً عملية البحث عن السلام وعن "تفاهماته" إذا كانت "اتفاقاته" متعذرة.
هكذا اندلعت الحرب الأهلية بعد اتفاقيتي الفصل بين كل من مصر وسورية من جهة وإسرائيل من جهة ثانية إثر حرب تشرين 1973. وهكذا تجددت الحرب بعد الهدنة التي أعقبت حرب السنتين الأهلية، بفعل اتفاق كامب ديفيد بين القاهرة وتل أبيب، واستتبعت بحرب الثمانينات بعد اتفاق 17 أيار بين لبنان واسرائيل واستولدت حروباً لم تنته إلا برعاية دولية عربية لاتفاق الطائف. أما مفاوضات السلام في مدريد فلم تطلق الحروب الأهلية لأن الاحتلال الإسرائيلي والحاجة الى مواجهته مع تلزيم سورية لبنان ردعاها.
لا داعي للعودة الى التفاصيل في هذه العجالة. فالهدف هو النظر الى تجدد مكونات الحرب الأهلية اللبنانية على وقع متطلبات السلام السوري – الإسرائيلي. وهذه المرة تضاف اليها تعقيدات التحالف الإيراني – السوري ودور طهران في المنطقة.
وواقع الحال ان إسرائيل وسورية كانتا على الدوام طرفي الحروب الأهلية اللبنانية الإقليميين، على رغم تبدل ظروف تحالفات كل منهما، وتفاهمات مع المحيط أو مع الأقطاب الدوليين…
لم تكن الحرب الأهلية الصغيرة التي وقعت بين 7 و15 أيار (مايو) الماضي، كتمرين لحرب أهلية أوسع، بعيدة من مراحل التفاوض الإسرائيلي – السوري الجاري منذ سنتين عبر قنوات عدة سويسرية وتركية الى أن استقر الأمر في اسطنبول. فمنذ نهاية عام 2007 كانت دوائر دولية عدة تتوقع ظهور نتائج علنية لهذا التفاوض في الربيع، يكون انعكاسها الأول الحاجة الملحة الى استباق استكمال العملية التفاوضية بالبدء في إعطاء ثمن لـ "حزب الله" في التركيبة اللبنانية أقله الثلث المعطل في السلطة السياسية، تحضيراً لما هو آت من مكونات هذا التفاوض، أي ضبط الجبهة اللبنانية في خط المواجهة مع إسرائيل. ومن ساورته الشكوك في توقعات الدوائر الدولية تلك، جاءت الوقائع لتحسمها… بل ان البعض رأى في ما جرى في لبنان تغطية للتفاوض الجاري، انزلق اليها "حزب الله" فيما وجد فيها آخرون استباقاً إيرانياً لهذا التفاوض… وهي استنتاجات تحتاج الى المزيد من التدقيق. لكنها تربط الأمر بالتفاوض على السلام.
إلا أن التفاوض السوري – الإسرائيلي يتطلب مراحل عدة بعد، ما يطرح السؤال عن مدى "حاجته" الى حروب أهلية لبنانية أخرى.
ولا تقتصر المخاوف مما هو آت، من هذه الحروب، على ما يجري من استنفار مستمر على الأرض وعلى عدم معالجة آثار الغزوة التي نفذت على بيروت والجبل، بل هي مخاوف تتعداها الى ما هو أبعد إذا ما توقف المرء امام الدعوات التي صدرت من إسرائيل وسورية "بتشجيع" لبنان على التفاوض المباشر مع إسرائيل، بعد إعلان التفاوض مع دمشق، رسمياً…
ولا يغيب عن بال أي مراقب أن على طرفي السلام السوري – الإسرائيلي دفع فواتير أي اتفاق، وأبرز هذه الفواتير، سلاح "حزب الله". ولا يعني "تشجيع" لبنان على الإقبال على التفاوض إلا دعوته الى الاشتراك في دفع هذه الفاتورة وتهرب سورية من تحمل مسؤولية ما يرتبه السلام، على علاقتها بالحزب وعلى الخطوات المطلوبة لتقليص دوره العسكري الذي غذته بالتعاون مع إيران. فهل من المنطق إشراك لبنان في دفع فاتورة لا ناقة له ولا جمل فيها بينما الحديث جار عن الجولان؟
أما من ناحية إسرائيل فإنها تهدف الى تدفيع لبنان فاتورة إضافية لاحتلالها أراضيه وعدوانها الأعمى عليه عام 2006، وتريد أن تفاوضه مقابل انسحابها من مزارع شبعا…
أليس هذا التشجيع المزدوج نذير شؤم للسلم الأهلي اللبناني ويدفع اللبنانيين الى رفض الانجرار وراء أي تفاوض مع إسرائيل؟
هل أن قدر لبنان أن يدفع الفواتير مرتين بالنيابة عن الآخرين، في الحروب التي تخاض بواسطته على إسرائيل وفي السلام بينها وبين الآخرين؟