معركة الحكومة في حرب السلطة
(حين تكون الخيارات محدودة، فإن القرار يصبح سهلاً). هذا ما قاله واحد من خلفاء نهرو في رئاسة الحكومة التي تدير بالديمقراطية شؤون أكثر من مليار انسان في بلد التعددية الطائفية والاتنية. لكن التركيبة السياسية في الوطن الصغير الغارق في أزمة حكم أكبر من الأزمة الظاهرة في تأليف حكومة وحدة وطنية تبدو آخر مَن يأخذ بالحكمة الهندية. فهي اعتادت (استيراد) نوع آخر هو (الأحكام)، ولو من بلدان تطمس التعددية وتمارس كل أنواع الأنظمة باستثناء النظام الديمقراطي. وهي تنتظر الانفراجات في العلاقات العربية والإقليمية والدولية، لكي تفرج عن الرهينة التي في يدها، وهي بالطبع حقوق الوطن والمواطن في الأمن والاقتصاد والعدل والخدمات والسيادة، لا (حقوق) أطرافها في الوزارات المسماة سيادية وخدماتية. لا بل تتصرف كأن الخيارات أمامها واسعة والقرار صعب.
وكل شيء يوحي أن ما حاوله الرئيس المكلف فؤاد السنيورة بالنسبة الى تحديد الخيارات يحتاج الى محاولات مختلفة قبل التوصل الى القرار. فهو وزع الحقائب في (سلتين) تاركاً للمعارضة اختيار أي منهما. لكن المعارضة لم تشأ حشرها بخيار على طريقة تقديم الطعام لركاب الدرجة الأولى في الرحلات الجوية: أي اما هذا الصحن أو ذاك. اذ هي تريد ان تأكل على طريقة (ألا كارت)، اي الانتقاء من الصحنين. ولا أحد يعرف ماذا يفعل (الشيف) فؤاد الذي يصرّ على القول ان الطبخة الحكومية آتية يوماً ما. غير ان ما يعرفه الجميع هو أن منسوب اللاثقة بين أطراف الأزمة والشركاء المفترضين في الحكومة لا يزال مرتفعاً جداً الى حد اتهام كل طرف الطرف الآخد بأنه لا يريد تأليف حكومة سواء لحسابات محلية أو لحسابات خارجية.
ذلك أن سياسة تأليف الحكومة تبدو كأنها استمرار للحرب بوسائل اخرى، حسب نظرية كلاوزفتيز. فلا ما نراه هو مجرد تأليف حكومة ضمن اتفاق الدوحة، حيث الكعكة الحكومية كبيرة لكنها لا تكفي الجميع. ولا هو أقل من معركة في حرب، بحيث يتصرف كل طرف كأن ما يحققه في المعركة هو ما يضمن له ان يربح الحرب. والحرب هي بالطبع حول السلطة والدولة والتوجه السياسي للبلد وموقعه على خريطة الصراع في الشرق الأوسط. اما واجبات السلطة والدولة حيال الناس سياسياً واقتصادياً واجتماعياً ومالياً وأمنياً، فانها ليست على جدول الأعمال الآن، ولا حتى، إلا في القليل، على جدول الأقوال.
وأخطر ما يحدث هو تقاسم الجمهورية وتقسيمها الى (إمارات) طائفية ومذهبية جائعة على مستوى الناس ومتخمة على مستوى (الأمراء).