سوريا وإيران مختلفتان استراتيجياً وتدهور في علاقة "حزب الله" بنظام الأسد
وصف ديبلوماسي عربي في بيروت تتمتع بلاده بعلاقات وطيدة مع لبنان صورة المرحلة الأولى من ولاية عهد الرئيس ميشال سليمان بـ"الهامة والصعبة"، مشيرا الى وجود العديد من المشكلات التي لا يصعب حلها "اذا ما تم التوافق على جمع اللبنانيين حول قواسم مشتركة واحدة في مقاربة لاستخلاص العبرة، من اللقاء الذي جمع قادة الموالاة والمعارضة في قصر بعبدا حول رئيس الجمهورية، أثناء زيارة الرئيس الفرنسي ساركوزي الى لبنان".
كما شدد على ضرورة الفصل "بين ما هو اقليمي وعلى علاقة بلبنان، وبين ما هو محلي، وعلى علاقة بسلوك القادة اللبنانيين، من خلال ترجمتهم لاتفاق الدوحة وتنفيذه بما يضمن حماية الدولة ومؤسساتها ويؤسس الى هدنة طويلة فيما بينهم، يتكرس بنهايتها الاتفاق المطلوب لصون وحدة لبنان، والمحافظة على صيغة التعايش بين طوائفه ومذاهبه بما يؤمن صموده وفرادته وعدم اهتزاز صورته، تحت تأثير الضغوط الخارجية التي تستهدفه كلما لاحت لها فرصة التدخل في شؤونه الداخلية.
على الصعيد الاقليمي، كشف الديبلوماسي العربي "أن بريطانيا دخلت على خط معالجة سلاح المقاومة من خلال الضغط على اسرائيل للقبول بتسيلم مزارع شبعا ووضعها في عهدة الأمم المتحدة، ويكون الهدف من ذلك استمرار الاتصالات السورية-الاسرائيلية المتصلة بموضوع انسحاب اسرائيل من الجولان، واقامة سلام بين البلدين في مناخ هادئ قد يؤدي الى تقدم في المفاوضات بينهما، وبذلك يحسم الجدل القائم بين لبنان وسوريا حول مزارع شبعا، بانتظار انتهاء المفاوضات بين سوريا واسرائيل، واستعداد الجانب السوري لترسيم الحدود مع لبنان انطلاقاً من التأكيدن ما اذا كانت ملكية هذه المزارع لبنانية أم سورية، فينتفي مبرر وجود السلاح اذا كان "حزب الله" يتمسك به لتحرير مزارع شبعا وليس لأي سبب آخر".
وبحسب الديبلوماسي، فان العماد سليمان غير بعيد عن هذا التوجه، ولذلك يجب تطمين "حزب الله" بأن ليس له أعداء على الساحة اللبنانية، خاصة بعد انتزاع انتخاب العماد سليمان من مشروع دمشق، بعد أن كانت سورية تسعى لوضع يدها على لبنان، لأنه بات من الواضح وجود اختلاف بين الستراتيجية السورية والستراتيجية الايرانية بالنسبة للمرحلة المقبلة, فالجانب السوري يهمه حماية رأس النظام من المحكمة الدولية، خاصة وأن الادارة الأميركية منذ التمديد للرئيس السابق اميل لحود مروراً باغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه قامت بعزل سورية وسحبت سفيرتها منها، ولهذا السبب يضغط النظام السوري على اسرائيل لفتح قنوات مع الجانب الأميركي الذي ما زال رافضاً لهذا المسعى".
من هذا المنطلق، قال الديبلوماسي العربي إن ساركوزي يحاول الاستفادة من هذه اللحظة وعلى هذا الأساس جاء اتصاله بالرئيس بشار الأسد قبل زيارته للبنان واستعداده لزيارة سوريا، واصطيادها بعد التأكد بأنها تلهث وراء الادارة الأميركية لاسترضائها.
أما ايران، فأسبابها مختلفة، وهذا ما ظهر من خلال التناقض في تصريحات قادة "حزب الله"، وبعد خطاب حسن نصر الله الأخير الذي هدد فيه بقطع الأيدي والأرجل والتهديد بالاحتلال ووضع قادة الأكثرية في السجن، لو كان يريد ذلك، لدرجة قوله بأن والده اذا تعرض لأمن المقاومة سيتصدى له، وفي اليوم التالي كان هناك كلام مغاير لـ"حزب الله" جاء على لسان نائب الأمين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم الذي أبدى استعداده للبحث في موضوع سلاح المقاومة ووضعه على الطاولة.
فايران التي يطالب رئيسها أحمدي نجاد بازالة اسرائيل من الوجود، وجدت أن النظام السوري ذاهب للاعتراف باسرائيل، والولايات المتحدة تسعى لتحييدها وتوجيه الضربة لسوريا، بينما اسرائيل كانت تسعى لتحييد سوريا وتوجيه الضربة لايران.
من هنا، فان النظام السوري الذي لم يخف انزعاجه من تنامي دور المعارضة السورية في الداخل، والذي يتعرض لضربات موجعة، يبدو مستاءً من العداء الأميركي له، وهو يراهن على الوقت لتحسين علاقته مع الادارة الأميركية الجديدة، بعد رفض الرئيس جورج بوش وساطة اسرائيل لتحسين العلاقات الأميركية-السورية.
في المقابل، فان علاقة النظام السوري مع "حزب الله" ليست على ما يرام وتمر بظروف حرجة، بعد دخول ايران على خط مطالبة النظام السوري بالكشف عن قتلة القيادي في "حزب الله" عماد مغنية، الأمر الذي أدى الى اهتزاز الصورة بين سوريا والحزب، وهذا ما جعل الأخير يستعجل في السيطرة على مطار بيروت الدولي، ومحاولة احتلال التلال المشرفة عليه في الجبل لتأمين التواصل مع ايران من دون المرور بسوريا، وهذا ما حصل أثناء حصار المطار عندما سمح فقط بهبوط طائرة ركاب ايرانية تقل نحو 300 راكب ايراني، اضطلعوا بدور عسكري في الأحداث الأخيرة ولم يسمح بتفتيشهم الا لعناصر الأمن العام الشيعة فقط.
ويبدو أن التفرد الذي قام به "حزب الله" بفرض الحصار على مطار بيروت والشروع بتنفيذ انقلابه، عجل بتسريع الحل العربي قبل دخول ايران على خط العرقلة.
أما في الموضوع الداخلي فقال الديبلوماسي العربي إنه قرأ بإمعان تصريح النائب ميشال عون رداً على سؤال يتعلق بعرقلته موضوع تشكيل الحكومة بالقول، "بأن لا اعلان عن ولادة الحكومة في وقت قريب طالما أن الكل يتهمه بالعرقلة"، لأن هذا الكلام يبدو أنه يخفي مواقف غير معلنة قد يتخذها قسم من المعارضة وتحديداً "حزب الله" و"التيار الوطني الحر"، ومنها أن اتفاق الدوحة الذي أقر في ساعات قليلة بعد خمسة أيام من المفاوضات, يبدو أنه غير مريح لا لـ"حزب الله" ولا لـ"التيار الوطني الحر"، لجهة قانون الانتخابات الذي لن يعطي العماد عون ما يريد، خاصة بالنسبة لاعتماد قانون القضاء الذي يبدو محرجاً كثيراً له حتى في قضاء بعبدا لأسباب تتعلق:
أولاً: باعلان السيد نصر الله بأنه يفتخر بانتمائه لولاية الفقيه، وهذا مصدر ازعاج للمسيحيين الذين ما زالوا يؤيدون العماد عون.
ثانياً: لأن هناك حزباً جديداً سيولد مع بداية هذا العهد، وهو حزب رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان، الذي يتألف عادة من المعتدلين المسيحيين الذين كانوا يتوقون لمجيء رئيس جمهورية قوي، يكون موضع ثقة لدى كل المسيحيين ويحظى بدعم بكركي.
ثالثاً: خسارة العماد عون لحليفه ميشال المر الذي أمن له في الماضي أرضية واسعة من المؤيدين وهو ما لن يتوفر له في هذه المرحلة.
وبناء على ذلك، توقع الديبلوماسي استمرار معارضة العماد عون الى حد ربما اعتذاره عن المشاركة في الحكومة، رغم الاغراءات التي أعطيت له، خمس حقائب خدماتية، وهذا رقم لم يكن ليحلم به لولا اصرار المعارضة على الثلث الضامن والتقيد بحصة كل طائفة، وهذا ما سمح لحليفيه "حزب الله" وحركة "أمل" باعطائه خمس حقائب من حصة المسيحيين، وذلك لاعادة تكرار نفس الدور الذي لعبه في انتخابات 2005، والقول بأنه يفعل كل ذلك من أجل المسيحيين، فيما رئيس الجمهورية وباقي القيادات المسيحية لم تفعل شيئاً لأجلهم.
ولفت الى ان "حزب الله" الذي يشعر بنفس الحرج من قانون الانتخابات فضلاً عن الموقف الجديد الذي أدخل فيه الشيعة بعد أن أكد السيد نصر الله انتماءه لولاية الفقيه، واخراج الطائفة الشيعية من خصوصيتها الوطنية والعربية، والابحار بها باتجاه الخليج الفارسي، يسعى الى أن يأتي التفجير هذه المرة من داخل المناطق الشرقية، وعلى يد العماد عون بالتحديد بعد أن شعرت بالأمان في المرة الماضية، ليقوم الحزب بملاقاته من جديد مع ما يستتبع ذلك من تفريخ أصوليات جديدة تنتمي لكل الطوائف اللبنانية ولا تعود حكراً على طائفة واحدة.
لكن هذا الاحتمال يبدو صعباً اذا ما أتقن القادة اللبنانيون العمل على انقاذ بلدهم قبل فوات الأوان لأن الأوراق أصبحت مكشوفة، والأحجام أصبحت معروفة، ولا ينقص هذا البلد الا القائد الحكيم والحكومة القوية، التي تستطيع فرض الأمن بالقوة مهما بلغت التضحيات.