انتخابات الـ2009 قبل الحلول النهائية
يعتقد، بل يؤمن، فريق 14 آذار بزعامة "تيار المستقبل" ان لـ"غريمه"، اذا جاز التعبير على هذا النحو، فريق 8 آذار بزعامة "حزب الله"، "اجندتين" سياسيتين حاول تنفيذهما في لبنان وعبره، الاولى محلية وتلحظ السيطرة على الحكم في البلاد، بل على الدولة بكل مؤسساتها مستعيناً بهيبة سلاحه وجيشه ورصيده المقاوم ومستفيداً من خوف الآخرين، أخصاماً له كانوا أم أصدقاء كونهم عزلاً من السلاح (غير الفردي طبعاً) وبإمساكه بالمفاصل الامنية والعسكرية في الدولة واستعمالها للحكم او للتحكم بالسلطة، ولكن من دون ان يمس ذلك اتفاق الطائف في الشكل وخصوصاً الجانب الذي يتعلق بالتوزيع الطائفي والمذهبي للمواقع الثلاثة الاولى في لبنان وبالمناصفة المسيحية – الاسلامية في مجلسي النواب والوزراء من دون التخلي عن المثالثة من ضمنها بين الطوائف الرئيسية الثلاث وربما بالتوزيع الطائفي والمذهبي لمناصب الفئة الاولى في الادارة العامة وما يماثلها من مؤسسات ذات صلة بها. أما "الاجندة" الثانية فإقليمية وتقضي بتحويل لبنان قاعدة عسكرية للراعي الاول لـ"حزب الله" ومن خلاله لحلفائه في 8 آذار اي للجمهورية الاسلامية الايرانية تضعه على خط المواجهة المباشرة مع اسرائيل وتساعده على التحول لاعباً اقليمياً بالغ الاهمية في مواجهتها ومواجهة اميركا حاميتها، الامر الذي قد يمكّنه لاحقاً من فرض نفسه صاحب دور كبير في الشرق الاوسط سواء بالتفاهم مع اميركا ومن خلالها مع اسرائيل او رغما عنهما أي بنجاحه وحلفائه في الصمود امامهما او ربما الانتصار عليهما، سواء كلياً او جزئياً.
ويعتقد، لا بل يؤمن، فريق 14 آذار بقيادة "تيار المستقبل" ان قائد 8 آذار أي "حزب الله" جرّب كل الوسائل وخصوصاً منذ خروج سوريا عسكرياً من لبنان عام 2005 والذي أفقده حماية مباشرة ومهمة جداً حتى ايار الماضي بغية تنفيذ اجندتيه المفصلتين اعلاه بما في ذلك العصيان المدني والاعتصام وسط العاصمة بيروت وأخيراً بالعمل العسكري المباشر. لكنه اخفق وان يكن حقق نجاحات جزئية عسكرياً في الشارع ونجاحات سياسية في الدوحة. وهو سيحاول من الآن فصاعداً، ومن خلال تطبيق اتفاق الدوحة، تطوير نجاحاته الجزئية هذه، سواء باحتواء موقع الرئاسة بوسائل متنوعة او بالحصول على مواقع عسكرية وامنية مهمة جداً او باستعمال الحكومة الجديدة بالنصف المعطل له فيها كي يبقي شعبيته معبأة الى أبعد الحدود، وتالياً كي يدفعها يوم يحين موعد الانتخابات النيابية السنة المقبلة الى الاقتراع بكثافة لمرشحيه ومرشحي حلفائه، وتالياً الى الحصول على غالبية مقاعد مجلس النواب مستفيداً لتحقيق ذلك من مال نظيف وفير ومن قوة عسكرية قادرة على تعطيل الخيار الديموقراطي الحر في اكثر من موقع بـ"الهيبة" فقط ومن كيانية شيعية مستثارة لا يبدو حتى الآن ان أصحابها اقتنعوا بأن الكيانات الفئوية في لبنان لا تنجح على المدى الطويل.
في المقابل يعتقد، بل يؤمن، فريق 8 آذار بزعامة "حزب الله" ان فريق 14 آذار بزعامة "تيار المستقبل" لن يسلّم له وسيحاول بذل أقصى ما في امكانه من جهد للحؤول دون نجاحه في تحقيق أهدافه ولا سيما منها تلك التي تغيّر وجه الوطن وتلغي عملياً، وان ليس رسمياً، العيش المشترك المتوازن والمتساوي بين شعوبه بل بين طوائفه والمذاهب. ويعتقد، بل يؤمن، ايضاً بأن لـ"غريمه" أجندة محلية تقضي بالإمساك بالبلاد وبتهميش 8 آذار وتحديدا قائده "حزب الله" وجمهوره أي الشيعة. وتقضي ايضاً بمعالجة النقص الديموغرافي في مواجهة الشيعة بتوطين الفلسطينيين في لبنان. كما ان له أجندة اقليمية – دولية تقضي بتحويل لبنان قاعدة للعالم السني بل العالم العربي السني المتحالف مع اميركا والمهرول للتفاهم مع اسرائيل علما ان "حزب الله" وفريقه يؤمنان بأن 14 آذار بقيادة "تيار المستقبل" صار أداة في استراتيجيا اميركية – اسرائيلية معادية لقضية فلسطين وللعرب والمسلمين ولكل المستضعفين في العالم.
أي اعتقاد أو ايمان هو الأقرب الى الحقيقة والواقع؟
لا يفيد الخوض في الجواب عن هذا السؤال، لان كل فريق من الاثنين يعتقد انه محق في ما يطرح ويقول ويرفض. ولكن لا بد من الاشارة، وفقط احتراماً لذكاء الناس العاديين وإن كانوا مصطفين مع هذا او ذاك، إلى ان اللبنانيين كلهم يعرفون انه كانت لـ"حزب الله" أيدٍ بيضاء "تحريرية"، ويعرفون في الوقت نفسه أجندته الفئوية المحلية والاقليمية التي تبقي لبنان رأس حربة وساحة لغير اللبنانيين، وتبقي شعوبه أدوات. لكن هؤلاء اللبنانيين يعرفون ايضاً ان "تيار المستقبل"، رغم العصبيات المذهبية التي لا يفيد انكارها، لا يريد السيطرة على الشيعة وضرب ممثلهم ليس لثقة بالنفس بل لعدم القدرة اولا بسبب ابتعاده عن العسكرة التي يتميز بها "حزب الله". وثانياً، بسبب اقتناعه بأن الحجم الديموغرافي للشيعة يحول دون نجاح أي فريق، أيا تكن قوته وتأييد الخارج له، في تهميشهم او السيطرة عليهم. وثالثاً، بسبب تبنيه نهائياً نهائية الكيان اللبناني وأولوية الانتماء اليه والتي يجب تشجيعها. في حين ان ما يجري هو دفعه ودفع السنة عموما الى التخلي عنها للعودة الى أولوية العروبة على الوطنية اللبنانية، او لإعطاء الاسلام الاولوية على الجميع وتحديدا السني منه.
في اختصار ان فريقي 8 آذار و14 آذار ينتظران انتخابات 2009 بصبر نافد ويعمل كل منهما في الوقت نفسه لتهيئة الظروف ادارياً وشعبياً وامنياً وعسكرياً واقتصادياً واجتماعياً وطائفياً ومذهبياً كي يفوز بالغالبية فيها. وذلك يعني ان مرحلة ما بعد الانتخابات النيابية قد تكون مرحلة حكم 8 آذار وزعيم "حزب الله"، اذا فاز، وسيطرتهما على الدولة. أما اذا فاز 14 آذار و"تيار المستقبل" فانه لن يستطيع ان يحكم كما يريد أو أن يسيطر لانه يفتقر الى الادوات الفعلية للسيطرة. ويعني ذلك استمرار اللااستقرار او تفاقمه، علما أن الاشهر الفاصلة عن الانتخابات قد تحفل بالكثير من التطورات المحلية والاقليمية والدولية التي لا بد ان يكون لها أثر ما على الانتخابات سواء سلباً أو ايجاباً.