مقابل كل طفرة حفرة
اذا راجعنا تاريخ الاحداث الاقتصادية والأمنية في لبنان على مدى اربعين سنة نجد ان الاوضاع اللبنانية تتأزم اقتصادياً وامنياً كلما لاحت في الافق مؤشرات لطفرة نفطية ووفرة مالية في العالم العربي. والواقع ان تزامن فترات التأزم لبنانياً مع فترات الازدهار نفطياً أمر يبعث على التساؤل عما اذا كان حظ لبنان عاثراً، أم ان هناك فئات مؤثرة مصممة على اقصاء لبنان كلما لاحت فرص نهضة اقتصادية قوية؟
أواسط الستينات توصلت الدول العربية النفطية الى رفع حصتها من عائدات النفط الى 50 في المئة من سعر البيع بعد حسم تكاليف الانتاج، وكانت الدول المنتجة تحصل قبل ذلك على 20 الى 25 سنتا عن كل برميل، وهذا التحول زاد دخل الدول العربية النفطية ثلاثة اضعاف.
في ذلك التاريخ كانت لدى بنك انترا في لبنان مشاركات من قطر والكويت، اضافة الى ودائع ملحوظة من البلدين والمملكة العربية السعودية. وفي خلال أربع سنوات، من 1962 1966، صار بنك انترا أكبر مصرف في لبنان، كما حقق اختراقات كبرى في اسواق المال الدولية، فأصبح مالكاً لعقارات في مواقع متميزة في لندن وباريس وجنيف ونيويورك، وتملك غالبية اسهم طيران الشرق الاوسط وشركة كازينو لبنان وكل اسهم شركة "لاسيوتا" لبناء السفن في فرنسا، وكانت هذه واحدة من شركتين في العالم تستطيع بناء ناقلات الغاز السائل.
كان بنك انترا عام 1966 يملك شبكة من المصارف في جميع البلدان المشار اليها، اضافة الى روما وريو دو جانيرو ونيجيريا. ويمكن القول إن شبكة مصارف انترا وملكياته العقارية كانت، قبل اربعين سنة، تفوق ما حققه المصرف العربي الاكبر حالياً، أي بنك الكويت الوطني، الذي تبلغ ميزانيته الآن نحو 45 مليار دولار.
في خريف 1966 واجه بنك انترا ازمة سيولة استوجبت تسهيلات توازي 55 مليون ليرة لبنانية لم توفّر له لاسباب عدة اكثرها سياسي، فتوقف المصرف عن الدفع وجرى تحويله شركة مساهمة، وتمت سيطرة وزارة المال اللبنانية ومصرف لبنان على مقدراته. ومنذ 1970، تاريخ انشاء شركة انترا للاستثمار حتى تاريخه، انفقت مجالس الادارة المتعاقبة اكثر من 1،2 مليار دولار، ولا تزال الموجودات المتبقية بعد بيع الابنية والمصارف في نيويورك وجنيف وباريس ولندن وشركة "لاسيوتا" تفوق مجمل ارقام ميزانية المصرف عند اقعاده بقرارات سياسية.
لو كان بنك انترا لا يزال عاملاً حتى اليوم لكانت قيمة موجوداته العقارية وحدها تزيد على اربعة مليارات دولار، ناهيك بحجم الودائع التي كان في الامكان استقطابها بسبب العلاقات الوثيقة بين المرحوم يوسف بيدس والكثير من زعماء البلدان العربية النفطية.
عام 1973، ونتيجة حرب 5 تشرين الاول ونجاح مصر في طرد الاسرائيليين من حدود قناة السويس الشرقية، ومن ثم فرض الحظر على تصدير النفط الى هولندا والولايات المتحدة بسبب دعمهما لاسرائيل، ارتفعت اسعار النفط من 2،2 دولارين البرميل الى 11،8 دولاراً. وكانت غالبية الدول النفطية قد سيطرت على عائدات تصدير النفط كاملة، وتالياً ارتفعت المداخيل بقوة وشهدت البلدان العربية النفطية ازدهاراً كبيراً.
في ذلك الوقت بالذات تصاعدت حدة القتال بين المنظمات الفلسطينية في لبنان والجيش اللبناني، وأقفلت سوريا حدودها في وجه الصادرات اللبنانية الى الخليج احتجاجا على قصف سلاح الطيران اللبناني المخيمات الفلسطينية. ولم تستقر الامور إلاّ بعد التوصل الى اتفاقات هدنة موقتة وهشة سرعان ما تبخرت ربيع عام 1975 تاريخ بداية حرب السنوات الـ16 على لبنان.
في خريف 1989، وبعد حربين مدمرتين شنهما الجنرال ميشال عون على السوريين ومن بعد على "القوات اللبنانية"، انجز اتفاق الطائف الذي نص على توفير ملياري دولار من المساعدات للبنان من أجل اعادة الاعمار. لكن المساعدات كانت معلقة على استتباب الاوضاع الداخلية وتجاوب الجنرال عون مع انتخاب الرئيس الياس الهراوي، لكنه استمر في المعاندة حتى تشرين الاول 1990 عندما قصف الطيران السوري قصر بعبدا وأجبر عون على اخلائه واللجوء الى السفارة الفرنسية.
قبل ذلك كان صدام حسين قد احتل الكويت في الاول من آب 1990 مما مهد لحرب الخليج الثانية التي استوجبت تخصيص نفقات باهظة وترتبت خسائر ضخمة. ومع ان تحرير الكويت تم في شباط 1991، فقد كانت قدرة البلدان العربية على توفير الملياري دولار للبنان قد تبخرت ولو الى حين.
الطفرة النفطية الاخيرة تجلت منذ اواسط عام 2004. وكانت الخلافات السياسية في لبنان على أشدها وخصوصاً مع التوجه الى التمديد للرئيس اميل لحود بضغط سوري واضح. الا ان الرئيس رفيق الحريري تمنّع عن تسلم زمام حكومة جديدة على رغم موافقته القسرية على هذا التمديد. بعد ذلك حدث زلزال الاغتيال في 14 شباط 2005 وغرقت البلاد في خلافات التجاذب السياسي، وخصوصا بعد صيف 2006 ومواجهة خسائر حرب ذلك الصيف واحتلال "حزب الله" موقع صاحب الفيتو على مستقبل لبنان.
ولا نزال، حتى تاريخه، في وضع اللاسلم واللاحرب، والحديث هو عن الداخل، مع عدم نفي امكانات الصدام مع الخارج ما دام ان القرار معلقاً على هوى "حزب الله". ولذا، فان امكانات الاستثمار المجدي غير مؤكدة، وافادة لبنان من الطفرة تتمثل في تفريغه من شبابه الباحث عن العمل في الدول العربية النفطية والبلدان الافريقية وبعض بلدان الكتلة الشرقية سابقا.
ان دورة الاقتصاد اللبناني البطيئة مستمرة حاليا بسبب تحويلات اللبنانيين العاملين في الخارج، أما الازدهار الداخلي فلا يمكنه ان يتحقق الا بسيادة القانون وسحب سلطة "الفيتو" من أي طرف كان. ومن دون الاستقرار وتفعيل مؤسسات الدولة سيكون مجال الازدهار محصوراً باللبنانيين المهجرين، في حين ان المناخ الداخلي سيشهد المزيد من معالم التسمم المجتمعي.
