حدود التطبيع الفرنسي مع سوريا: هل يبشـّر الأسد بالوحدة المتوسطية؟
يتفق الجانبان الأميركي والفرنسي حول الموقف الواجب اتخاذه من ايران، ويختلفان حيال المسلك الذي ينبغي انتهاجه في ما عنى سوريا. هذا ليس باختلاف ثانوي. بيد أن الجانبين يستفيدان من التطابق التام في نظرتهما لإيران، ومن تأكيدهما المشترك على أن مشروعها النووي لن يمرّ بأي شكل من الأشكال، لأجل تنظيم الإختلاف حول أسلوب التعاطي مع سوريا.
فالرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي يبرّر ديبلوماسية الانفتاح تجاه دمشق بالمسعى الهادف الى "فكّ" عرى تضامنها الوثيق مع سياسة طهران في المنطقة. لكن الحلقة ما زالت مفقودة بين عنصر القوة وبين عنصر الضعف اللذين يستند اليهما منطق هذا التبرير. فمن السليم من الناحية المنطقية أنه ينبغي بذل ما يكفي من جهد واقتناص ما يتسع من فرص لإبعاد سوريا عن ايران بدلاً من تقريبهما أكثر فأكثر. لكن الرهان لم يُسند بعد بما يكفي من ضمانات، وهو يخاطر بتداعيات قد لا تكون حميدة، إذا ما أعطيت سوريا مساحة زمنية جديدة للتسويف والمماطلة. من هنا، جاء الضبط الأميركي للانفتاح الفرنسي: لا بد أن تكون ثمة معايير عملية دقيقة لتفحص ما اذا كانت سوريا تتقبّل "العلاج الفرنسي"، وبالإيقاع الذي يضمن عدم استفادتها من الفرصة المعطاة لها لأجل التسويف والمماطلة.
جاءت صيغة هذا "الضبط" في "الاعلان المشترك الفرنسي الأميركي من أجل لبنان المسالم والسيد والمستقل، الواحد والديموقراطي". الجانبان الأميركي والفرنسي ينبهان بعضهما بعضاً: في حال لبنان لا يمكن الفصل بين ما هو دائرة تدخل سوري، وما بين ما هو دائرة تدخل ايراني. قد يمكن ذلك في حال العراق مثلاً، وفي حال فلسطين أيضاً. أما في لبنان، فالمسألة أكثر تعقيداً. فحزب الله ايراني النشأة والعقيدة والتمويل والتوجيه، لكنه سوري الإمداد والإيقاع والإنضباط، منذ مجزرة ثكنة فتح الله والى يومنا هذا. لو قيست المسألة بعلاقات التبعية الاجمالية لقيل: حزب الله يتبع سوريا التي تتبع ايران. أما لو قيست المسألة بمعيار يحاكي التخريجات اللاهوتية، فيمكن القول بأن حزب الله من "طبيعتين"، "سورية" و"ايرانية"، لكنه بـ"مشيئة واحدة" سورية ـ ايرانية.
يحاول الإعلان المشترك الفرنسي الأميركي أن يتعامل بإحاطة وواقعية مع هذه المعضلة. فالتطابق التام حيال الموقف من ايران ومشاريعها النووية والإقليمية أولى بأن يثمر صياغة مشتركة لسياسة أميركية ـ فرنسية واحدة حيال حزب الله، سياسة لا تؤثر فيها سلباً سياسة الانفتاح الفرنسي على سوريا، وهو انفتاح يبقى محدوداً، ومشروطاً إن بمعيار أو بأجل. بمعنى آخر، يمكن أن يدعى الرئيس السوري الى فرنسا، لكن ما عاد من الممكن التفكير في تكرار "المشهد" الذي رأيناه غداة القمة الفرانكوفونية في بيروت، يوم كان السيد حسن نصر الله في مقدمة الحضور.
في المقابل، يعرف القاصي والداني ما الذي تريده سوريا من فرنسا: رفع العزلة عنها. معروف أيضاً ما الذي تخشاه قوى 14 آذار من ذلك عند الوهلة الاولى: أن تتجدد أعمال التنكيل، أن يجري تجاوز المحكمة الدولية. لأجل ذلك جاء الإعلان المشترك الإميركي ـ الفرنسي ليجيب على هذه المخاوف. لكن السؤال يبقى: ما الذي تريده فرنسا ساركوزي من وراء "تطبيعها" الجزئي مع الرئيس السوري؟
يدرك ساركوزي تماماً أن هذا التطبيع "الجزئي" لن يكون شعبياً لا بين الفرنسيين ولا بين اللبنانيين. لكنه إذ يتابع سياسته تلك فلأسباب لا علاقة لها بما يلوكه اعلام المكابرين والممانعين في لبنان. هؤلاء يصوّرون المسألة على نحو مانوي: شيراك شرير. ساركوزي محب للخير. هذا تصوّر مثير للشفقة. فساركوزي يجرّب ما كان قد جرّبه شيراك. شيراك راهن هو الآخر على امكان أن يكون عهد بشار الأسد مناسبة للانفتاح في سوريا. لكن شيراك وضع مقياساً لذلك: الاستقلالية في لبنان، الحريات في سوريا. جاءت النتيجة مخيبة تماماً على كلا الصعيدين. ولم تتأخر فرنسا جاك شيراك عندها في "القطع" مع سوريا، وبحماسة فاقت ما لدى الأميركيين من نفور من نظام الأسد ومن عدم ثقة بقدراته أو رغباته، الانفتاحية أو الإصلاحية.
ساركوزي أيضاً يجرّب سياسة من هذا القبيل. لكن خلافاً للأوهام التي تصدح في أوساط المعارضة، فإنه لا يقوم بذلك من الصفر. بالنتيجة، هو لم يصل الى السلطة بانقلاب عسكري أو بحركة تصحيحة ضد الرئيس السابق جاك شيراك، بل جاء من حزب شيراك بالتحديد، ومن مدرسة شيراك التي لم يفترق عنها الا ليتمكن من خلافة شيراك نفسه.
ثم أن السياسة الشيراكية تجاه لبنان قد تكرّست في قرارات دولية، وفي محكمة دولية، فإن كان من الصعب على الدول الأخرى أن تتخطى هذه القرارات وتلك المحكمة، فإنه من المستحيل تماماً على الدولة الفرنسية التي كانت في صلب هذه الورشة "التكبيلية" الدولية لسوريا، ولنفوذ سوريا في لبنان، أن تكون أول من ينقض هذه القرارات.
يمكن اذاً صياغة المعادلة الساركوزية، المنقحة أميركياً ـ تلافياً للغط ـ على الشكل التالي: لا تفاوض مع بشار الأسد حول المحكمة الدولية. إنما لا عزل مسبقاً للنظام السوري إذا كان قد أبدى رغبة جادة في الانفتاح والتعقّل، لعلّ وعسى.
بطبيعة الحال، سيبقى هذا الانفتاح محدوداً طالما أنه جعل "فك التحالف" بين ايران وسوريا عنواناً كبيراً له، وطالما أن التدخل السوري مختلط تماماً بالتدخل الإيراني في لبنان، بحيث إنه اذا ما رفع هذا الاختلاط ما عاد لايران منطقة نفوذ أكيدة شرق المتوسط، ولابتعد نفوذ سوريا عن المركز اللبناني لينحسر في بعض الأطراف.
ثم أن سوريا قد عوّدت المجتمع الدولي طيلة التسعينيات بأنها تتباهى بأنها تفاوض بقدر ما تتباهى بأنها تمانع. التفاوض بلا طائل يكسب هذا النظام التأكيد بأنه مستمر الى الأبد. والممانعة بلا جدوى تعطيه مسحة من شرعية داخلية واقليمية. معنى ذلك أن التفاوض والممانعة يتلازمان لجهة وعي النظام السوري لشروط استمراره وشروط فرض قبضته على سوريا واستمرار تدخله في لبنان.
لكن الرهان الفرنسي، والأوروبي على وجه العموم، هو أنه يمكن تفكيك هذا التلازم، اذا ما جرى تغليب عناصر التفاوض على عناصر الممانعة، بشكل جدي ومنسّق وفي مناخات ملائمة. منها المناخ الذي يشار اليه "بالاتحاد من أجل المتوسط".
هذا المشروع كان قد اقترحه ساركوزي ابان حملته الانتخابية في رئاسيات 2007، وتحفظّت عنه المانيا كونه إطارا سياسيا بين الدول لا يتناسب مع تنمية الإطار الذي يشكّله الاتحاد الأوروبي. بعد وصوله الى سدّة الرئاسة، أبدى ساركوزي استعداداً لتليين الصيغة المتوسطية تلك، وبعد لقائه بالمستشارة الألمانية انجيلا ميركيل في 3 آذار المنصرم، حلّت الدعوة الى قيام "الاتحاد من اجل المتوسط" بدل صيغة "الاتحاد المتوسّطي"، التي كانت واضحة التباين والتعارض مع "الاتحاد الأوروبي".
يعطي الفرنسيون هذا المشروع الكثير من الأهمية. أهمية "ثقافية" بالنسبة الى الساعين وراء "حوار الثقافات" اجتناباً "لصدام الحضارات". وأهمية "أمنية" بالنسبة الى الساعين وراء ايجاد حلول عملية للهجرة غير الشرعية والارهاب الدولي وتجارة المخدرات وما شاكل. وهناك من يعطي الأولوية للأهمية "الاقتصادية" كونه سيؤسس منطقة تجارة حرة تتسع لـ27 دولة.
لكن بالمجمل يرى الفرنسيون ان هذا المشروع "المتوسطي" من حيث هو ابتكار وطني فرنسي، يقلّل بعض الشيء من اتساع النفوذ الفرنسي داخل الاتحاد الأوروبي على حساب النفوذ الألماني، طالما أن الدول التي أدخلت الى الاتحاد شرق أوروبا، واقعة بمعظمها تحت النفوذ الألماني. لكن ماذا عن الأهمية "السياسية" لمشروع "الاتحاد من أجل المتوسط"؟ هنا بالتحديد، يمكن أن تنجلي الأسباب المحض فرنسية للانفتاح على الرئيس السوري.
فـ"الاتحاد من أجل المتوسط" ينسجم كإطار، مع معارضة ساركوزي الحازمة لدخول تركيا فضاء الاتحاد الأوروبي، محاولاً في نفس الوقت امتصاص النقمة التركية، القادرة على اعاقة تفعيل السياسة الدفاعية الأوروبية المشتركة، وعلى تكبيد فرنسا خسائر اقتصادية وتجارية باهظة.
عند ساركوزي أن تركيا هي آسيا الصغرى، ومداها الطبيعي هو آسيا الوسطى. وعنده أيضاً أن بلداً كتركيا يكون محاذياً لبلد كسوريا ليس بالمستطاع اعتباره أوروبياً، لكن بالمستطاع اعتباره "متوسطياً". الحاجة اذاً الى اعادة تأهيل "سوريا" كبلد "متوسطي". ويغالي البعض في التفاؤل داخل فرنسا، فربما كان بشار الأسد سيكتشف الشراكة "المتوسطية" بلهفة اكتشاف العقيد معمر القذافي للدعوة "الأفريقية". سوريا هذه دولة محاذية لتركيا. لكن بخلاف تركيا هي لا ترى دعوتها الى "المشروع المتوسطي" كتخفيض لمرتبتها، وانما كترفيع لها. في الوقت نفسه، فإن انضمام سوريا الى هذا المشروع، ومشاركة بشار الأسد شخصياً في تدشينه، من شأنه أن يقي هذا المشروع كل مزايدة شعبوية يمكنها أن تكبح استعداد البلدان العربية المتوسطية الأخرى للمشاركة في أعمال التأسيس.
فأنصار سوريا كانوا يعمدون الى المكابرة والمزايدة في أمور تفصيلية، ويخوّنون كل لبناني يرى أنه من غير المقنع أن يتحمّل هو لا أحد سواه أكلاف معركة لن تقع أبداً في الجولان. لكن أنصار سوريا هؤلاء يضمنون الآن لحظة تدشين أول وحدة سياسية كونفدرالية تجمل دولة اسرائيل ببلدان متوسطية أوروبية وعربية.
بل تقول أوساط ساركوزي انه يستوحي من الثنائية الفرنسية ـ الألمانية التي انقلبت من الصراع الدامي الى الشراكة الحميمة في اطار البناء الأوروبي، لأجل تقديم شيء من هذا القبيل في ما يتعلّق بسوريا وباسرائيل. طبعاً، هذه لغة "سياسية" للغاية من شأنها التمهيد لقمة مشتركة بين الرئيس السوري بشار الأسد ورئيس الوزراء الإسرائيلي يهود أولمرت في باريس، ما بين قمة "الاتحاد من أجل المتوسط" والاحتفال بعيد الثورة الفرنسية. أما في أنقرة، التي لم تحسم بعد درجة تمثّلها في قمة "المتوسّط"، خلافاً للهفة سوريا، فالصحافة تعكس جزءاً مما يدور في كواليس أهل القرار: التخوف من أن يكون التحضير الفرنسي للقاء قمة بين بشار الأسد وأولمرت بمثابة قطع طريق أمام المفاوضات السورية _ الاسرائيلية التي ترعاها تركيا.