#dfp #adsense

إنها الحرب الأهلية المفتوحة في لبنان.. يا غبي

حجم الخط

"إنها الحرب الأهلية المفتوحة في لبنان.. يا غبي"! 

يخطئ من يدعي، أو حتى يتوهم، أن ما يعيشه اللبنانيون حاليا أقل من حرب أهلية. بل هي "حرب أهلية مفتوحة" (بالاذن من الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصر الله)، ومن طرف واحد، كما هي حال "الحرب المفتوحة" الاسرائيلية التي تحدث عنها السيد حسن وقال انها تستوجب الاستعداد العربي الدائم لمجابهتها. وهي ليست فقط "فتنة مذهبية" بين السنة والشيعة، على فداحة خطيئة من أشعلها أو أيقظها حسب القول المأثور، بل حرب لبنانية شاملة من جهة وعربية/ اقليمية / دولية من جهة أخرى ولو لم يكن السلاح الحربي عدتها أو أداتها حتى الآن.

لم يعد النفي، ولا حتى التجاهل، يفيان بغرض الوقوف أمام هذه الحرب اذا كانت لدى المعنيين بعد رغبة في وضع حد لما شاب النسيج الاجتماعي/ الطائفي/ المذهبي/ المناطقي خلال الفترة الماضية، فضلا عن اصلاح ما انكسر في بنيان هذا النسيج الواهي في الأصل. وحتى لو كان في ما يقال، أو يشاع بين الناس، شيء من المبالغة أو التضخيم، فلا حاجة الى التذكير بالحقيقة الثابتة عبر التاريخ من أن الحرب غالبا ما تبدأ بكلمة وان لم تكن هذه الكلمة سوى شائعة.

وبالقدر نفسه، فمرور الزمن ليس من شأنه تضميد أية جراح من صنف جراح هذه الحرب، بما فيها الجراح الموهومة، وانما توسيعها وزيادة الاحتقان الجماعي نتيجة لها. ولن تكون هناك حاجة في ما بعد الى ما يوصف بـ"نكء الجراح"، اليوم أو غدا أو بعد غد، وهنا أو هناك أو هنالك، ولهذا السبب أو لذاك، ولا لما قيل دائما عن "الفتنة النائمة التي لعن الله من أيقظها"، لأن ذلك كله سيكون قد فات عمليا أوانه.

وليست الأحداث الأمنية المتنقلة بين بيروت والبقاع وغيرهما من المناطق، على خطورة هذه الأحداث، هي الداعي لما سبق من سطور. ولا هي الخطابات السياسية، وخصوصاً الاعلامية، التي تسعى الى تبرير ما يحدث وتوزيع الاتهامات هنا وهناك، وانما الوقائع القائمة على الأرض بما فيها أولا وقبل كل شيء من مشاعر انسانية، فردية وجماعية، وصولا الى ما يطلق عليه البعض علنا صفة "الدفاع عن الوجود".

وهذه الأخيرة باتت ملموسة، بل ومعبّرا عنها بوضوح، لدى المسلمين السنة والشيعة على حد سواء، ولكن أيضا لدى الدروز كما لدى المسيحيين على اختلاف كنائسهم وفي أغلب مناطقهم وتجمعات سكنهم .. حتى ولو لم تمسهم نار الأيام السوداء من شهر أيار الماضي ولا ما تلاها من أحداث أمنية وتهديدات فردية وعمليات تحرش واستفزاز.

ذلك أن ما شهدته بيروت والمناطق اللبنانية الأخرى في الأسابيع الخمسة السابقة لم يكن، ولا يمكن أن يكون، "عملية موضعية … أو محدودة … أو حتى نظيفة"، كما ذهب البعض الى القول، على مستوى النسيج الاجتماعي للشعب اللبناني أو مجرد العلاقات البشرية بين الناس. واذا كان صحيحا، كما قيل تحت شعار الدفاع عن "عاصمة اللبنانيين كلهم" والرد على مقولة غزوها من الخارج، أن أهل بيروت هم الذين اشتبكوا في ما بينهم وأن بعضهم استخدم السلاح في مواجهة البعض الآخر، فهل فكر الذين قالوا هذا الكلام ما ستكون عليه العلاقات الانسانية بين هؤلاء عندما يعود كل منهم الى حياته العادية، والى سكنه وعمله وجيرانه في الحي الواحد والشارع الواحد .. وحتى المبنى الواحد ؟!.

أليست هي "الحرب الأهلية"، الساخنة حينا والباردة حينا آخر، وان من دون استخدام السلاح وحفر الخنادق واقامة التحصينات والجدران العازلة، في ما بين أفراد وتجمعات سكن الشعب الواحد، من دون الحديث عما يمكن أن يصل الى حد الفرز السكاني و"التطهير الطائفي" على طريقة "التطهير العرقي" في أماكن أخرى من العالم ؟!.

وعلى مستوى المكونات الطائفية الأخرى، وفي لبنان ثماني عشرة طائفة بالتمام والكمال، ألا يشكل مشهد بيروت هذا ومشاهد بعض مدن الجبل وقراه، فضلا عن العديد من مناطق البقاع والشمال، جرس انذار مدويا لهذه المكونات يستدعي التخوف على الوجود (ولا نقول التسلح بعد، للدفاع عن هذا الوجود) ما دامت قضية الوجود المادي ـ وليس السياسي فقط ـ هي القضية المطروحة، وما دام منطق استخدام السلاح بهدف الغاء هذا الوجود، وبالتالي للدفاع عنه، هو المنطق السائد ؟!.

وهل ينفع، في مثل هذه الحالة، الركون الى واقع اختلال ميزان القوى العسكري (الى متى يستمر ؟!) بين المكونات الطائفية للبلد باعتباره الحد الفاصل بين لحظة نشوب الحرب الأهلية بين هذه المكونات وبين لحظة انتهائها ؟!.

***
لا يتحدث كثيرون من المعنيين في لبنان، وفي العالم العربي كذلك، عن هذه النار المشتعلة تحت الرماد على مساحة البلد كله، ولا عن الحاجة الملحة والوسائل الممكنة لاطفائها، فيما يبدون انشغالا غير مسبوق في تقاسم المقاعد الوزارية (والنيابية لاحقا) واستخدام "الفيتو" ضد بعضهم البعض وتسجيل ما يعتبرونه نقاطا في حساباتهم من جهة وفي مرمى الخصوم من جهة ثانية، من دون أن يفوتهم التهديد بابقاء كل شيء على حاله (أي برئيس جمهورية لا يحكم، وبحكومة لا تشكل) ما لم تسند اليهم الحقائب التي يحلمون بها.

وفي سياق الركض وراء الجبنة، كما كان الرئيس الراحل فؤاد شهاب يقول، لا "يخجل" البعض من الحديث عن الوزارات الخدماتية من زاوية أنها بازار لرشوة الناخبين عشية الانتخابات النيابية المقبلة، ولا عن الوزارات السيادية من زاوية أنها تأكيد لحالة "الانتصار" السياسي في حروب العصيان الرئاسي / الحكومي / النيابي التي استمرت نحو عامين بين الموالاة والمعارضة، ولا أخيرا عما يسمى باستعادة حقوق مغتصبة لهذه الفئة الطائفية أو تلك .. ان في الحكم او في التمثيل النيابي أو في تنصيب ممثلين في الادارات العامة للدولة.
"حروب" وهمية على السطح، هي ما تنشغل به الطبقة السياسية اللبنانية الآن، بينما الحرب الفعلية، الحرب الأهلية المفتوحة على كل احتمال، تكبر يوما بعد يوم داخل النسيج الاجتماعي للشعب.

مثيل ذلك، الى حد ما، حدث في الولايات المتحدة مطلع التسعينات من القرن الماضي.
يومها كان المرشح للرئاسة الأميركية بيل كلينتون يخوض معركة انتخابية قاسية في مواجهة المرشح الآخر، الرئيس جورج بوش الأب، الذي كان قد حقق انجازين تاريخيين على الصعيد الخارجي: انهيار المعسكر الاشتراكي، وتحرير الكويت من الاحتلال العراقي. وكان بوش، وغيره من الساسة والمراقبين في العالم، يظنون أن اعادة انتخابه لولاية ثانية شبه مؤكدة على خلفية هذين الانجازين.

ولم يكن الحال كذلك في المجتمع الأميركي. كان نبض الشارع الداخلي في مكان آخر.
"انه الاقتصاد يا غبي"، هكذا خاطب كلينتون منافسه على الرئاسة والناخبين في تلك الفترة .. وساهم ذلك في فوزه في الانتخابات، فيما ذهبت عبارته هذه مثلا ردده الكثيرون من الساسة والكتاب والصحافيين على امتداد العالم.
… وما أحوجنا في لبنان اليوم الى اقتباس العبارة: "انها الحرب الأهلية المفتوحة، يا غبي".

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل