لئلا يكون لمضمون القرار الظني تأثير سياسي وأمني وانتخابي
هل تمارس ضغوط لتأخير بدء عمل المحكمة الدولية؟
قد يكون لبدء عمل المحكمة ذات الطابع الدولي اهمية ربما تفوق اهمية تشكيل حكومة وحدة وطنية والتحضير للانتخابات النيابية المقبلة، اذ ان القرار الظني في جريمة اغتيال الرئيس الحريري ورفاقه عند صدوره، سوف يكون له انعكاسات على الاوضاع السياسية والامنية في لبنان والمنطقة، وربما على الحكومة نفسها وعلى نتائج هذه الانتخابات بحيث تجرى في اجواء تختلف عن تلك السائدة حاليا.
لقد اعلن الامين العام للامم المتحدة بان كي – مون انه سيبحث مع الحكومة اللبنانية مسألة تحديد موعد انطلاق المحكمة ذات الطابع الدولي وأكد ان عملية الاعداد لقيام المحكمة تتقدم بصورة جدية، وانه تم تمديد التفويض للمحقق الخاص دانيال بلمار كي يتمكن من تقديم المتهمين للمحاكمة، وقد شرع المسجل في عملية الترتيبات الادارية بما في ذلك تسمية طاقم المحكمة لهذه الغاية.
وكان وكيل الامين العام للامم المتحدة للشؤون القانونية نيكولا ميشال توقع ان يكون الشهر الحالي موعدا لمباشرة المحكمة عملها الا انه عاد واعلن في حديث له ان قضية بدء المحكمة عمليا هو امر يقرره الامين العام وفقا لعناصر منها التشاور مع حكومة لبنان والتقدم في عمل لجنة التحقيق. ولكن من الواضح انه سيكون هناك تقرير آخر من لجنة التحقيق كان سيصدر الشهر الحالي وقد تأخر الى موعد آخر بعد التمديد ستة اشهر للجنة التحقيق، وهذا سيعطي المحقق دانيال بلمار مزيداً من الاشارات حول التقدم الذي تحقق في عمل اللجنة، وانه لا يستطيع تحديد موعد لانتهاء عملها لأن هذا يعتمد على تقريره وتقويمه للعمل المتبقي امامها، وانه يتوقع ألا يكشف المدعي العام في تقاريره العامة نتائج التحقيق قبل ان يتقدم بقرارات الاتهام الى قاضي التحقيق الذي يأخذ وقته الكافي ولا احد يعلم متى ينتهي، ويعلن استعداده للعمل كمدع عام، لكن جهوزية المحكمة باتت مكتملة، اما بدء عملها فمرتبط بعوامل اخرى، وهي عوامل لا ترتبط بأي شكل من الاشكال بالازمة السياسية في لبنان. وأكد ان مسار عملية انشاء المحكمة لن يتم التراجع عنه، وان من مصلحة جميع الاطراف فهم ذلك، وان المحكمة ستكون مستقلة وغير منحازة، والى جانب عملية اختيار القضاة، سيكون هناك مزيد من القواعد في شأن الاجراءات والادلة التي ستضمن نزاهة العملية. وذكر ان السبب الوحيد لعدم اعلان اسماء القضاة هو امني، وفور عقد القضاة اجتماعهم الرسمي الاول، سوف يتم اعلان اسمائهم.
اما في ما يتعلق بتشاور الامين العام مع الحكومة اللبنانية حول تحديد موعد بدء المحكمة وهل يعني ذلك أن موقف الحكومة ملزم او غير ملزم، فان نيكولا ميشال يرى ان "التشاور مع" لا يعني "الاتفاق مع". ولذلك سيكون "المطلوب منا ان نضع في الاعتبار آراء الحكومة اللبنانية، خصوصا انه لا يوجد لدى المسؤولين اللبنانيين اعتراضات على انشاء المحكمة. وقال انه عندما تتشكل المحكمة، سوف يرى الجميع مفاعيلها على الارض، وان ليس في القرار 1757 اي مرتكز متصل بالحصانة للرؤساء، وعلى المحكمة ان تحدد كيف ستتعامل مع هذا الموضوع. وأكد مرة اخرى ان عجلة انشاء المحكمة اصبحت غير قابلة للابطال او للرجوع عنها، وسوف تحاكم كل الذين ارتكبوا جرائم الاغتيال في لبنان"، وان المحكمة "ستكون مستقلة وحيادية وليست اداة سياسية، وسيكون صعبا جدا على من يتأكدون من ذلك، عدم التعاون معها وتحدي الاسرة الدولية، وان من يراهنون على صفقة سياسية او ينتظرون تغيير الحكومة اللبنانية يرتكبون خطأ".
وجاء حديث الرئيس الأسد الاخير ليؤكد ان المحكمة الخاصة بجريمة اغتيال الرئيس الحريري ستعمل بموضوعية، وان الامور تسير في الطريق الصحيح وتمنى ان تتحلى المحكمة بمهنية عالية والا تكون مسيسة، وانه مرتاح وكل الامور تسير بطريقة مهنية واعتبر ان حكومة وحدة في لبنان تعني ان المحكمة ستعمل بطريقة مهنية وليس سياسية، وهذا ضمان مهم يعني ان هناك اجماعا في لبنان حول قضايا معينة، وان المحكمة لا يمكن ان تسيَّس.
وقد اعتبرت اوساط سياسية هذا الكلام للرئيس الاسد بمثابة رد على بعض السياسيين اللبنانيين الذين شككوا في حياد المحكمة قبل ان تشكل واستبقوا عملها بالقول انها مسيَّسة، وهو كلام يؤيد ايضا المسار الذي اعتمده وزير العدل شارل رزق مع الحكومة في انشاء المحكمة بما فيه النظام الاساسي لها ووضع لائحة باسماء القضاة لاختيار من بينهم اعضاء في المحكمة.
وكان الرئيس الاسد قد اكد في حديث لجريدة "الوطن" القطرية ان المحكمة الخاصة للبنان لا تقلقه، وانه رفض صفقات سياسية عرضت عليه، وان ليس لسوريا مصلحة في ان تقوم بجرائم الاغتيال في لبنان.
والاسئلة المطروحة في ضوء الكلام على قرب بدء المحكمة الخاصة بلبنان اعمالها هي:
اولا: هل يقوم خلاف داخل حكومة الوحدة الوطنية الجاري تأليفها عند صدور القرار الظني في جريمة اغتيال الرئيس الحريري ورفاقه بتناول تقويم مضمونه فيرى البعض فيه ما هو مقبول والبعض الآخر ما ليس مقبولا، فيبلغ هذا الخلاف حد انسحاب وزراء منها كما حصل عند الخلاف على موضوع النظام الاساسي للمحكمة؟
ثانيا: هل يكون لهذا القرار تأثير ليس على وحدة الحكومة وتضامنها، انما على الاجواء التي ستجري في ظلها الانتخابات النيابية في ربيع السنة المقبلة وعلى وضع مرشحين معينين.
ثالثا: هل يكون له تأثير سلبي على العلاقات اللبنانية – السورية حتى بعد ترميمها في انتظار صدور الاحكام؟
رابعا: هل يخلو القرار الظني مما يشير بوضوح الى المتهمين بارتكاب جريمة اغتيال الرئيس الحريري ورفاقه، اما بفعل عدم التمكن من الحصول على الادلة والاثباتات والقرائن واما بفعل دخول الاعتبارات السياسية والمصلحية الاقليمية والدولية على الخط، بحيث تنتهي احكام المحكمة الى ما انتهت اليه محاكم اخرى عندما تنظر في جرائم سياسية.
خامسا: هل يتأخر بدء عمل المحكمة ويتأخر معها صدور القرار الظني ربيع السنة المقبلة بحيث لا يتأثر به سير حكومة الوحدة الوطنية بعد تأليفها ولا الانتخابات النيابية عندما تجرى ولا يكون لمضمون هذا القرار تأثير على اي منهما، خصوصا ان قرار تعيين بلمار مدعيا عاما قد صدر لكنه لم يتسلم بعد مهمته ريثما ينتهي من مهمته كرئيس للجنة التحقيق كما انه لم يصدر بعد قرار بتعيين قاض لبناني مساعد للمدعي العام.
سادسا: هل يكون لحسن سير مفاوضات السلام بين اسرائيل وسوريا تأثير على مسار المحكمة ذات الطابع الدولي بحيث انه اذا باشرت عملها، فان صدور احكامها سيطول واذا صدرت فلن تتناول رؤوساً كبيرة. وهو ما جعل الكسندر تورشين نائب رئيس مجلس الدوما في روسيا الاتحادية يقول عند زيارته لبنان العام الماضي "ان اكبر محكمة قد لا تتوصل الى معرفة المجرمين، والتحقيق قي القضايا الارهابية يكون صعبا جدا ولدينا في روسيا قضايا شبيهة بها ولها اكثر من عشرين سنة ولم يتم كشف الجناة". ويلتقي الوزير والنائب السابق فارس بويز مع المسؤول الروسي بقوله في حديث له قبل أشهر: "ان الواقع السياسي الدولي يحتجز المحكمة ذات الطابع الدولي، وان احكامها لن تصدر الا بعد وقت طويل".