"الدوحة اللبناني" يحتاج الى "دوحة عربي"
حقق اتصال رئيس فرنسا نيكولا ساركوزي هاتفياً برئيس سوريا بشار الأسد بعد انتخاب مجلس النواب في بيروت العماد ميشال سليمان رئيساً للجمهورية اللبنانية اختراقاً كبيراً للتردي في العلاقة بين البلدين الذي بدأ أواخر صيف 2004. واعتبره صاحبه ترجمة حرفية لما قاله في القاهرة قبل مدة وهو ان فرنسا ستكون مستعدة لاعادة العلاقة الجيدة مع سوريا فور اظهارها حسن نيتها بتسهيل اعادة الوضع في لبنان الى طبيعته ومساعدة قادته على اتخاذ الخطوات الضرورية لوقف انزلاقه نحو الشلل والفوضى وفي مقدمها انتخاب رئيس للدولة. بعد ذلك وجه ساركوزي دعوة الى الرئيس السوري لزيارة باريس في العيد الوطني لفرنسا وللاشتراك في القمة التي يفترض ان تبحث في مشروعه لاتحاد دول المتوسط. فضلاً عن ارساله له موفدين الى دمشق للبحث مع القيادة السورية في اوضاع لبنان وامور اقليمية مهمة أخرى. لكن ردود الفعل سواء من فرنسيين عاملين مع ساركوزي أو من المعسكر المعارض له كما من حلفاء له على الصعيد الدولي أظهرت بعض الحذر والتحفّظ أو عدم الانشراح لخطوات الرئيس الفرنسي. فوزير خارجيته برنار كوشنير قال انه ليس مسروراً كثيراً بدعوة الأسد وزيارته لفرنسا. لكنه استدرك ان ذلك شعور شخصي لا يحول دون قبول الأسد الدعوة وتالياً تلبيتها لاسباب عدة. واعضاء في المعارضة الفرنسية اعتبروا الدعوة مكافأة لأكثر الانظمة قمعاً في الشرق الأوسط. فضلاً عن ان اميركا بوش حليفة فرنسا في لبنان منذ أيام شيراك ابدت تحفّظات مماثلة.
هل ينطبق حساب حقل الرئيس ساركوزي على حساب بيدره؟ أي هل ينجح في اقناع الرئيس بشار الاسد في التزام تسهيل قضايا عدة بغية مساعدة لبنان على استعادة نفسه وبناء مؤسساته وتجنب الانزلاق نحو الحرب من جديد؟
لا أحد يملك جواباً عن هذا السؤال. لكن مراقبي الاوضاع في لبنان والمنطقة يشيرون الى ان الانفتاح الفرنسي حيال سوريا لا يزال شكلياً وتحوله جوهرياً يتوقف على مدى تجاوبها مع مطالب لبنانية عدة ثم تبنيها كاملة من فرنسا واميركا بل من غالبية المجتمع الدولي. فباريس وواشنطن ترفضان اجراء أي صفقة مع سوريا أو مع غيرها من الدول المعنية على حساب لبنان وهما لا تزالان مصممتين على مساعدته سياسياً وديبلوماسياً لتطبيق القرارات الدولية المتعلقة به وفي مقدمها الـ1559 والـ1701 والـ1757. فضلاً عن انهما تملكان تصميماً ثابتاً على الأقل حتى الآن في موضوع المحكمة الدولية الخاصة بلبنان التي أنشأها مجلس الأمن تحت الفصل السابع لمحاكمة المتهمين باغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري. ومن شأن ذلك كله ان "ينقز" الرئيس السوري الذي له مواقف سلبية معروفة بعضها رسمي وبعضها غير رسمي من كل القضايا المثارة أعلاه. هذا فضلاً عن القضايا الأخرى التي لسوريا علاقة بها مثل اقامة علاقات ديبلوماسية مع لبنان وترسيم الحدود وخصوصاً في مزارع شبعا التي لا تزال محتلة من اسرائيل بغية تسهيل اعادتها إلى أصحابها… اللبنانيين. وقد تؤدي "النقزة" إلى عودة التردي الى العلاقة السورية – الفرنسية وخصوصاً اذا اصطدم تنفيذ البند الثاني من اتفاق الدوحة أي تأليف حكومة وحدة وطنية بالعرقلة التي يعتقد كثيرون في الخارج باستثناء سوريا وايران طبعاً ان الاخيرتين مصدرها عبر حلفائهما
اللبنانيين.
في أي حال يتمنى اللبنانيون نجاح الخطوة الانفتاحية الفرنسية على سوريا، لكنهم يتمنون في الوقت نفسه ان تكون سوريا جدية في رد فعلها وراغبة فعلاً في فتح صفحة جديدة ولكن مشرقة مع لبنان ومن خلاله مع العالم أو مع العالم ومن خلاله مع لبنان. الا ان الواقع اللبناني وعلى مدى سنوات بل عقود علّمهم ألّا يركنوا الى التمنيات بل الى الواقع. والواقع الراهن في بلادهم اليوم يشير ليس فقط الى تحفّظات سورية عن قضايا لبنانية عدة بل ايضاً الى موقف ايراني متحفّظ حيال الكثير من الأمور. وايران هذه صارت نافذة جداً في لبنان وربما أكثر نفوذا فيه من سوريا بواسطة حلفائها المعروفين جيداً. ولا تستطيع سوريا ان تنفرد بمواقف فيه مسهّلة أو معطلة من دون التشاور معها. وايران مع حرصها على عدم انزلاق لبنان نحو الفتنة المذهبية والحرب الأهلية لا تزال في حاجة الى لبنان جبهة أمامية في صراعها مع اميركا واسرائيل ولا سيما في ظل استمرار اميركا ومعها المجتمع الدولي في محاربة السعي الايراني لامتلاك تكنولوجيا وقدرة نوويتين يمكن ان تمكّنا ايران لاحقاً من حيازة اسلحة غير تقليدية.
إلى ذلك كله لا بد من ملاحظة ان تحسناً في العلاقة بين سوريا من جهة والسعودية ومصر من جهة اخرى لم يطرأ رغم اتفاق الدوحة الذي قيل ان الجميع سهّلوه. ولا بد من ملاحظة ان العلاقة المصرية – السعودية – الايرانية غير مقطوعة لكنها قد تكون متقطعة وربما تحتاج الى شيء من الاستمرارية والجدية لتعطي النتائج المأمولة منها. وفي ظل ذلك كيف للبنان الذي يتقاتل فيه وعليه كل هؤلاء وغيرهم كثيرون ان يرتاح؟ ربما تكون الوسيلة الفضلى لإراحة لبنان جمع ايران والسعودية ومصر وسوريا برعاية "الجبار" القطري ومساعدتهم على التوصل الى اتفاق دوحة اقليمي يكون عوناً لاتفاق الدوحة العربي. فهل هذه الفكرة ممكنة؟ أم قد يعتبرها البعض مزحة"؟