#adsense

حكومة قرع الطبول

حجم الخط

حكومة قرع الطبول!

على افتراض التسليم بخلاصة ما قاله عمرو موسى من ان الخلاف على التركيبة الحكومية هو لبناني صرف ويتصل بالتركيبة اللبنانية نافيا عنه شبهة الارتباط بالصراعات العربية، فمعنى ذلك ان الحكومة الجديدة لن تبصر النور الا باستعادة مبكرة لآلية الدوحة قبل ان يودي الصراع على الحقائب السيادية بسائر البنود المدرجة على لائحة الانتظار.

ذلك ان هذا الصراع يدور في عمقه على تغيير قواعد اللعبة في توزيع الحقائب بما يتخطى التركيبة الحكومية الى رسم الاطار السلطوي الجامع للتناقضات الذي سيشكل الادارة السياسية لمعركة الانتخابات النيابية التي اشتعلت على نحو مبكر في مؤتمر الدوحة نفسه.

هذا الصراع استعاد في الاسبوعين الاولين من مخاض تأليف الحكومة الاطار الشكلي إياه الذي حكم مرحلة الفراغ الرئاسي، بدليل ان "عقدة" العماد ميشال عون تعود الآن الى واجهة العقد تماما كما كانت او صورت في الاشهر الستة التي سبقت انتخاب الرئيس ميشال سليمان. واذا كان العماد عون يطرح مفهوما مناقضا تماما لمفهوم الغالبية والرئيس المكلف حيال موقع رئيس الجمهورية في التركيبة الحكومية بما يعني انه لا يجد ضيرا في ترسيخ الانطباع عن ترسيخ العقدة العونية قبل الانتخاب الرئاسي وبعده، فليس معنى ذلك اغفال مغزى دفع الآخرين بالعقدة المسيحية تكرارا الى مقدم العقد والعقبات والاختباء خلفها فيما هي ليست في الواقع مسيحية صرفة.

فقوى المعارضة في مجملها تريد من الثلث المعطل الذي كسبته في اتفاق الدوحة غداة عملية عسكرية موصوفة بالحسم المسلح والنفسي في بيروت، ان تكرس من الآن طابع انتصار استباقي مفترض في الانتخابات النيابية المقبلة. وكسر القواعد المألوفة في توزيع الحقائب لن يقترن بأبهة الانتصار الموعود والجاري الكلام عنه علنا من الآن في الانتخابات الا بالحصول على حقائب نوعية ذات بعد رمزي في تلك الخانة المسماة حقائب سيادية وكسر معادلتها العددية.

وفي ضوء ذلك تجري قوى الغالبية حسابات استباقية مماثلة تقوم على اعتبار نصب خطوط دفاعية للحفاظ على ما امكن على حقائب تمنع تمدد الاستقواء بخلفية العملية المسلحة في بيروت من جهة والتحسب لواقعة العصر الانتخابية المقبلة من جهة مقبلة.
واذا كانت المعارضة تستشعر في هجومها في موضوع الحقائب السيادية مناخ الاستقواء بحسم مسلح لا تجدي معه اي تورية في توصيفه وتبريره، فان الغالبية ستسعى في دفاعها عن انحسار قدرتها السلطوية السابقة الى توظيف مضاعفات هذا التراجع الحالي في التحضيرات للمعركة الانتخابية المقبلة مستفيدة من الآثار الكبيرة والمخيفة التي اثارها خصمها في تحكيم السلاح للغلبة السياسية.

اسبوعان فقط من مخاظ التأليف، عكسا شراسة المرحلة الانتقالية التي اضاء الانتخاب الرئاسي الضوء الاخضر امامها. فتغيير قواعد اللعبة في التشكيلة الحكومية ليس سوى العصا الغليظة التي تقتحم عبرها المعارضة محاولاتها السياسية الأولى بعد فك الاعتصام لنصب اعتصام مماثل داخل النظام هذه المرة تحت وطأة تعطيل الحكومة الوليدة. والدفاع عن الخطوط الاكثرية لن يكون سوى مؤشر الى محاولة الغالبية تحويل الصراع على السلطة الى الصراع على النظام وتاليا جعل الانتخابات المقبلة استفتاء شعبيا حاسما بين مشروعين لكل منهما "هويته" واهدافه المختلفة بل المتناقضة تناقضا تاما مع الآخر. واذا كان من الصعوبة بمكان التسليم لخلاصة عمرو موسى الذي اكتوت يداه كما احترقت ايادي كثيرة قبله وبعده بالازمة اللبنانية، وحصر الصراع ببعده الداخلي، فان ذلك لن يكون مدعاة تقليل على الاطلاق من خطورة الايام التي تبتلع اياما، والوقت الذي يستنزف وقتا اضافيا. فلم يمر الزمن بعد على المرحلة الطرية من الفراغ الرئاسي وقبلها لمعاينة تلك اللعب المتلاعبة بأعمار اللبنانيين التي يدمنها كثر من أهل الداخل كما اهل الخارج ويضيع معها المزج بين المحلي والخارجي، تماما كما تنبئ مطالع "ازمة التأليف" الراهنة. فأين الغرابة اذاً، ولماذا استعجال "حكومة وحدة وطنية" لن تكون سوى الاطار الشكلي لتنظيم قرع الطبول نحو المواجهة الحاسمة داخل النظام وخارجه بما يقرر مصير الوحدة والصيغة والنظام وسائر المشتقات السيادية؟

المصدر:
النهار

خبر عاجل