وزارات «باب أول»
لم تكن الوزارات مصنّفة في اي وقت في لبنان، على ما نذكر، بين حقائب باب اول (first class) وباب ثاني، كما هي الحال المتداولة هذه الايام مع مساعي تشكيل الحكومة الجديدة. واذا كان المرء يحسد في هذه المناسبة المحظوظين «السياديين» وعددهم لا يزيد على عدد اصابع اليد الواحدة، فمن الطبيعي أن يشعر بقدر كبير من التعاطف مع السادة اصحاب المعالي الذين سيتولون وزارات الصف الثاني، التي اطلق عليها تحبباً وزارات «الخدمات».
ولأن الحقائب الاولى للسيادة، فإن الثانية سوف تعوّض حاملها بإفساح المجال امامه للخدمة. واذا كان هناك بين اللبنانيين من يمكن أن يلتبس عليه الامر، فيعتقد أن المقصود بذلك هو الخدمة العامة، أي خدمة عموم الشعب اللبناني، فقد اوضح بعض الطامحين الى هذه الحقائب، على رغم تدني «قيمتها الشرائية»، أنهم انما يفعلون ذلك طمعاً بخدمة ناخبيهم، وفي سبيل تحصيل اكبر قدر من اصوات هؤلاء الناخبين، خلال الانتخابات المقبلة التي يفترض أن تجري بعد 10 اشهر، هذا اذا بقي البلد بخير، أو اذا لم يطرأ اتفاق جديد يعقب اتفاق الدوحة الساري المفعول.
ولأن الحقائب السيادية كالسيادة ذاتها في لبنان، محدودة الانتشار، فإن عددها لا يكفي لتوزيعه على 30 وزيراً كما شاء اتفاق الدوحة. هناك في التداول حتى الآن 4 حقائب من هذا النوع. ولحل هذه «العقدة»، وانطلاقاً من قدرة الشعب اللبناني على الابتكار، يجري العمل على «ترقية» بعض الوزارات الى مستوى السيادة، بحيث يصير العدد كافياً لتوزيعه على السياسيين من اصحاب مواقع الوجاهة في البلد، والذين لا يقبلون تولي اي حقيبة اذا لم تكن من صنف «باب اول».
وهكذا وبدلاً من توزيع الحقائب على من يستحق شغلها من المستوزرين، بحيث ترقى الحقيبة بمن يشغلها، كما يحصل عادة في بلدان العالم، المتخلفة منها والمتقدمة، بتنا في بلد النور امام اختراع جديد، لا بد أن يستفيد منه العالم، وهو ترقية الوزارات الى مستوى الاشخاص. فاذا شغل فلان وزارة العدل أو البريد أو الصحة مثلاً، وكان من الصنف التعبان، تعتبر هذه الحقائب خدماتية، اما اذا تولى هذه الحقائب شخص ميسور، قدراً وقيمة، اعتبرت حقائب سيادية، وهكذا.
الوجه الايجابي في هذا النوع من الاختراع انه يمكن، اذا فتحت شهية سائر الزعماء على وزارات السيادة، أن يحوّل كل الوزارات في الحكومة الى حقائب من هذا الصنف. عندها تسقط الطبقية بين الوزراء ويحل العدل والتساوي في ما بينهم، وتُحل في الوقت ذاته ازمة التنازع على الحقائب التي نشهدها حالياً. ليس هذا فقط، بل ان من شأن حل كهذا، اذا تم اعتماده، أن يدفع الوزراء جميعاً الى العمل في الحقل العام، بما يضمن تحقيق السيادة، بدلاً من العمل في الحقل الخاص، الذي لا يحقق سوى الخدمات الشخصية للمحازبين والانصار.
اذا تم اعتماد هذا الاختراع، فإنه سيوفر بداية صالحة لعهد الرئيس ميشال سليمان، الذي كان يستحق ما هو افضل من هذا «التناتع» أو «التناتش» على مقاعد حكومة عهده الاولى. لقد انتظر الرجل في الظل كرئيس افتراضي سنة كاملة قبل أن يتفقوا على انتخابه. ومن حقه بعد أن اصبح رئيساً فعلياً أن يقدم له السياسيون الذين «توافقوا» عليه ما هو افضل من هذه الوجبة التي لا تغري أحداً بالاندفاع نحوها.