#adsense

فخامة الرئيس ·· الأمر لك مرة أخرى

حجم الخط

فخامة الرئيس .. الأمر لك مرة أخرى!

يبدو أن الذين خططوا لإبقاء البلد بلا رئيس جمهورية ستة أشهر يعملون اليوم على إبقاء العهد الجديد بلا حكومة قوية وقادرة على تأمين عملية الإقلاع الاستثنائية المنشودة.
المسألة، كما أصبح واضحاً، ليست وزارة سيادية هنا أو أخرى خدماتية هناك، بقدر ما هي سلسلة من العقد، كلما عالج الرئيس المكلف عقدة منها برزت أمامه مجموعة من العقد الجديدة!.

والهدف إذاً، ليس عرقلة تشكيل الحكومة العتيدة وحسب، بل ولعل هذا الأهم، العمل على تعطيل انطلاقة الرئيس ميشال سليمان بالزخم اللازم، الذي تتطلبه حاجات وظروف المرحلة الصعبة التي يعيشها البلد نتيجة الحروب والاعتصامات والصراعات التي خاضتها المعارضة طوال السنوات الماضية.

وهنا يبرز السؤال الذي يحيّر الكثير من المسيحيين هذه الأيام: هل تعزيز دور المسيحيين في السلطة يقضي بتعطيل مسيرة رئيس الجمهورية التوافقي، وتأخير تشكيل حكومة الوحدة الوطنية التي نصّ عليها اتفاق الدوحة؟.

الواقع أن ثمة مفارقات متناقضة تتخبط فيها مواقف بعض أطراف المعارضة، وخاصة تيار العماد ميشال عون الذي يرفع شعار تعزيز صلاحيات رئيس الجمهورية، ونشر الإعلانات عن إعادة الحقوق (المسلوبة) كذلك للمسيحيين، ولكنه في الوقت نفسه يعمل على كل ما من شأنه إضعاف سلطة رئيس الجمهورية، وعرقلة انطلاقة العهد الجديد، بل ويذهب أبعد من ذلك، عندما يطالب عون شخصياً بحيادية الرئيس سليمان، ورفضه تمثيل المسيحيين في السلطة برئيس الجمهورية!.

إن مراجعة موضوعية لمواقف التيار العوني، وتصريحات رئيسه، تُبين بكل وضوح مدى حرص "جنرال الرابية" على حصر التمثيل المسيحي بنفسه أولاً وأخيراً، ولو كان ذلك على حساب مكانة رئاسة الجمهورية في تركيبة السلطة اللبنانية، حتى ولو أدى ذلك الى جعل رئيس الجمهورية الطرف الأضعف في المعادلة السياسية الوطنية!.

والقصة تبدأ بمرحلة التوصل الى تفاهم على شخصية الرئيس التوافقي، حيث كان العماد عون أكثر المعارضين عناداً في رفض اعتبار العماد ميشال سليمان رئيساً توافقياً، من دون أن يعطي أي تبرير مقنع للتمترس على هذا الموقف.

وعندما أعلنت أطراف أخرى في المعارضة، وخاصة كتلة الرئيس نبيه بري على موافقتها على العماد سليمان كمرشح توافقي، انبرى عون ليعلن شروط موافقته على "المرشح التوافقي"، وأول تلك الشروط أن تقتصر رئاسته على فترة انتقالية لا تتجاوز السنتين، يُجري خلالها الانتخابات النيابية، ويتولى بعدها مجلس النواب الجديد انتخاب رئيس للجمهورية لولاية دستورية كاملة، وكل ذلك انطلاقاً من حسابات عونية معروفة تتوقع فوزاً ساحقاً للمعارضة في الانتخابات المقبلة، مما يمهد الطريق لانتخاب العماد عون رئيساً للجمهورية!.

ومع طرح صيغة حكومة "الثلاث عشرات" وقف العماد عون بشدة ضدها، رافضاً إعطاء رئيس الجمهورية التوافقي حصة مماثلة لحصة كل من الموالاة والمعارضة، حيث أبلغ الأمين العام للجامعة العربية في اجتماع مجلس النواب الشهير الذي ضم النائب سعد الحريري والرئيس أمين الجميل عن الأكثرية، والجنرال عون المعارضة، تمسكه بالثلث المعطّل للمعارضة، الأمر الذي أدى الى تطيير المحاولة الأخيرة لمساعي عمرو موسى في إطار المبادرة العربية.

وخلال مناقشات مؤتمر الدوحة، اقترح رئيس التيار العوني تأجيل الانتخابات الرئاسية الى ما بعد الانتخابات النيابية، وأن يتولى العماد سليمان رئاسة حكومة انتقالية تُجري الانتخابات الجديدة وتُشرف على انتخاب رئيس جديد للجمهورية، وذلك استناداً الى حسابات الفوز الساحق للمعارضة بالأكثرية اللازمة في مجلس النواب .

وإذا تجاوزنا "لغز" الأوراق البيضاء التي وجدت في صندوقة اقتراع الرئيس ميشال سليمان، والتي أصبحت حصة نواب عون فيها معروفة، فإن إصرار جنرال الرابية على إضعاف سلطة رئيس الجمهورية أصبحت تتجاوز شخص العماد ميشال سليمان، لتطال دور رئاسة الجمهورية وهيبتها، ومكانتها في تحقيق التوازن المطلوب في تركيبة السلطة اللبنانية.

وإلا كيف نفسّر معارضة عون الشديدة لإعطاء رئيس الجمهورية حقيبتين سياديتين هما" الداخلية والدفاع؟.

وماذا يعني الرفض العوني لتمثيل رئيس الجمهورية في الحقيبتين السياديتين بوزيرين مسيحيين ينتميان الى أكبر الطوائف المسيحية في البلد، الموارنة والروم الأرثوذكس؟.

وكيف يكون تعزيز دور المسيحيين في الحركة السياسية ودعم المركز المسيحي الأول في البلد، عندما يحتج عون على إعطاء الحقيبتين السياديتين لوزيرين مسيحيين، ويطالب بإعطاء الدفاع لوزير مسلم والداخلية لوزير مسيحي…!

وهل يكون الحرص على رئاسة الجمهورية وعلى الأمن والاستقرار في البلد، بالإصرار على تعطيل تشكيل حكومة العهد الأولى؟ 

ولعل السؤال عن كيفية الدفاع عن دور رئيس الجمهورية، ودعم مسيرة العهد الجديد، وتعزيز دور المسيحيين عبر إعادة الاعتبار الى مكانة رئاسة الجمهورية، يبقى تساؤلاً مشروعاً ومبرراً في إطار البحث عن المخارج المناسبة للمراوحة القاتلة التي تدور فيها اتصالات تشكيل الحكومة العتيدة·

الحقيقة أن الإجماع الوطني الذي أحاط وصول العماد ميشال سليمان الى رئاسة الجمهورية، وسط هذا الدعم العربي والدولي غير المسبوق يحمّل كل اللبنانيين المخلصين لوطنهم والمؤمنين بوحدة لبنان أرضاً وشعباً ومؤسسات، مسؤولية وطنية وتاريخية لا ترحم أي تقصير، ولا تغفر أي خطأ.

ولا بد لرئيس الجمهورية شخصياً ومعه رئيسا الحكومة ومجلس النواب ومحاطين بالقيادات السياسية والحزبية المعنية فعلاً، وليس قولاً بإنقاذ البلد، والعاملة بجدية على إعادة الثقة والأمن والاستقرار الى هذا الوطن المعذّب، لا بدّ لهم أن يتصدوا معاً، وبكل شجاعة الى كل من يحاول تعطيل مسيرة الوفاق، وإجهاض اتفاق الدوحة، والعودة بالبلد الى مرحلة الفراغ الدستوري في المؤسسات الشرعية.

لا بدّ لرئيس الجمهورية أن يرفع صوته عالياً بوجه كل من يحاول أن يرفع مصالحه الشخصية أو الفئوية فوق مصالح الوطن العليا.

لا بد للقيادات السياسية في الأكثرية والمعارضة أن تستدرك العودة مجدداً الى مرحلة الفراغ الدستوري القاتل التي تهدد بفتح أبواب جهنم للاقتتال الداخلي من جديد، حيث لن يخرج أحد من نار الحروب العبثية سالماً.

إن استمرار السكوت والتغاضي عن المناورات الداخلية والاستسلام لضغوط الصراعات الخارجية، من شأنه أن يحوّل الآمال الكبيرة التي علّقها اللبنانيون على الرئيس ميشال سليمان الى إحباطات تتداولها أضغاث أحلام بقيامة سريعة لوطن الدور والرسالة في هذا الشرق المضطرب·

يا فخامة الرئيس·· الأمر لك مرة أخرى لأن الهجمة الحالية تستهدف الوطن بتوازناته الدقيقة، من خلال استهداف مكانة ودور رئاسة الجمهورية، وابتزاز الرئيس الجديد، وإضعاف الحضور المسيحي في السلطة، تحت شعار الدفاع عن حقوق المسيحيين!!·

لقد بقي البلد بلا رئيس للجمهورية زهاء ستة أشهر، فهل يتحمل العهد الجديد البقاء بلا حكومة أشهراً مماثلة··؟!·

المصدر:
اللواء

خبر عاجل