#adsense

قصة قديس: القديس شربل (الحلقة الخامسة)

حجم الخط

قصة قديس: القديس شربل
اقتباس ربيع يعقوب (الحلقة الخامسة)

لم يكن سهلاً ان يأذن الرؤساء لشربل بالإعتزال فوراً في المحبسة. دستور الحياة النسكية لا يسمح بالتنسك الا للرهبان الكاملين، وهذا يتطلب ان يكون الراهب قد:
– ابرز نذوره في منظمة اثبتتها الكنيسة.
– قضى خمس سنوات في الرهبانية بعد ابراز هذه النذور.
– طلب ونال اذن الرئيس.
– امتحن واعتبر اهلاً لهذه الدعوة.
قبل اثنتين وعشرين سنة ابرز الأب شربل نذوره، وهو بموجب القوانين جميعاً يستطيع ان يتلمس الإجازة بإعتناق حياة النسك. لكن ما بال الرئيس يتردد؟ اينتظرعلامة من السماء؟

العلامة السماوية

ان تحويل الماء الى خمر في عرس قانا الجليل دشن عهد يسوع بالعجائب. والسراج المنير بماء في عنايا افتتح سفر العجائب الشربلية، وقرب يوم صعود شريل الى المنسك المشتهى. كلمة السماء علامة سيضطر معها رؤساء شربل اضطراراً الى الإذعان لصحة دعوة الطالب. الحادثة شهيرة ويرويها لنا سابا بو موسى الأهمجي على الشكل التالي:

كان الأب شربل غائبا ساعة قرع الأب الياس المشمشاني ناقوس المائدة وقال:
– قررنا الليلي ما حدا يضوي سراجو ويسهر، تنقدر نقوم، نص ليل، لصلاة الفرض. هادا امر بترجاكم ما حدا يخالفو.
عاد شربل متأخراً يحمل عدة الفلاحة، وقد اعتاد العملة الفلاحون ان يزودوه بها، مسروراً آخر النهار…
في غرفته اشعل سراجه فلم يشتعل.
آه ما فيش زيت. قال شربل.
حمله ونزل الى "الكلارجي"،الأخ فرنسيس، شقيق الرئيس.
– اذا بتريدو، يا خيي، عبولي هالسراج.
– ليش ما جيت ع ضو! طيب حط سراجك هون وروح.
ما ان ادار شربل ظهره ليمضي حتى انبرى احد الخادمين يقول:
– ما عليك يا بونا شربل، ما عليك. هلق انا بزيتو وبطيلعلك ياه ع قوضتك.
فجأة ينظر الخادم الى السراج وترتسم على شفتيه ابتسامة ماكرة، وتلعب في رأسه فكرة غريبة:
– ليش الريس بيقول للرهبان ما حدا يجرب شربل بالكلام اوغيرو، شربل فيه روح الله؟ شو يعني فيه روح الله؟ انا عندي طريقه اعرف كنو فيه روح الله. الفرصة ما بتتفوت !

بسرعة وحذر تناول ابريق الماء، واختطف السراج وملأه ماء الى فوق، ومشى ليعيده الى الأب شربل .
– له… له… احتج رفيقه. حرام عليك، شو عم تعمل؟
– شو عم بعمل؟ تعا معي ت نشوف كيف يبقى روح الله…
في باب قليته، تناول الأب شربل سراجه واغلق الباب. اشعله فأضاء وراح يقرأ على نوره ويصلي.
كان الخادمان ينتظران النتيجة خارجاً بفضول.
قشعريرة دهشة تهز اعصابهما:
– ليك، شوف! سراج بونا شربل ضوى.
– ما بيصير، عندو سراج غيرو. شو الموي بتضوي؟
– لا تقوي صوتك، بيسمعونا الرهبان! بونا شربل ما عندو غيرو هالسراج.
راح الخادم مدهوشاً يهزي كأنه مصاب بدوار.
استيقظ الرئيس على صوتهما، فأقبل يسأل مستاءً:
– شو في، شو صار؟ ايش عم تعملو هون بالليل؟
– يا بونا الريس… مستحي قلك… عبيت سراج بونا شربل… موي بدل الزيت !
– موي عم تلعبو مع بونا شربل؟ بونا شربل من جيلكن، من عمركن ت تمزحو معو؟
ودون ان يصغي الى الخادم اكثر، قرع باب الأب شربل، ودخل يقول، موجهاً اليه اللوم –غير منتبه الى غياب الأب شربل حين اوصى الرهبان بعدم إضاءة المصابيح:
– انا متعجب يا بونا شربل. اول مرة بشوفك مخالف امر الطاعة. كل الضويي مطفيي وسراجك وحدو مضوي.
خر الراهب الوديع البريء على ركبتيه وتوسل:
– غفرلي منشان المسيح!
– خرج الرئيس ليمضي، وإذ بالخادم يلفت نظره الى ان الماء هو الذي اضاء في السراج.عاد الرئيس وافرغ منه على يده وتنشق، وفحص وحقق. لا اثر للزيت بتاتاً. فالماء اذن هو الذي يشتعل.
عندئذ جثا امام الأب شربل وقال:
– انت غفرلي وصلي منشاني.
ولم ينهض حتى باركه الأب شربل. باركه ولم يدر ان روح الله اجرى على يده آية باهرة.
عاد الأب الياس الى غرفته حائراًَ متأملاً:

اتراه صوت السماء يعلن قداسة هذا الراهب التقي؟ اجل! لدى تردد البشر في اتخاذ القرارات الحاسمة بشأن القديسين، تتسلم قضيتهم السماء.

في صباح اليوم التالي، احيط علماً بالأمر الرئيس العام، الأب مرتينوس الغسطاوي، فالسيد البطريرك بولس مسعد. وصدر الأمر للرئيس:
"اسمحوا للأب شربل ان يسكن المحبسة."

وكان قد توفي الحبيس اليشاع الحرديني في 13 شباط،1875 عام وفاة بريجيتا والدة الأب شربل.وكان عمر الناسك الجديد 47 عاماً.

نحو الوحدة السعيدة

بينما شمس الغروب تلملم اذيالها، الزرقاء والليلكية، عن قمم صنين واللقلوق، كان شبح اشبه بموسى صاعداً جبل حوريب، يسير وحيدا في مسلك الغابة الضيق ، المتدرج صوب محبسة مار بطرس وبولس، على جبل عنايا.

تغمر وجهه غبطة قدسية. هنا المجال الذي تسعى في رحابه النفوس الكبيرة. هنا الأعالي حيث تهب رصينات الرياح، وتدور الأنوار في ملاعب الحرية. هنا تتكشف للتأمل اسرار العزلة الخلاقة التي تهتف في اعماقها: لا تقوم عظمة الا بعيداً عن الجماهير، وبعيداً عن امجاد الأرض.

على عتبات هذا القفر الموحش في انسه، المؤنس في وحشته، خيل الى شربل انه يسمع صوتاً شبيه بالذي اقلقه بالأمس، وهو يغادر القرية:

– لوين بعدك رايح، لوين؟ عالبريي؟ ايش رايح تعمل؟ انا بقلك: السبب محبة الذات والأنانيي . انت هربان من المسؤوليي، من خدمة اخوتك. عم تخالف واجب المحبي المشتركي . جايي تعيش حر، مبسوط ع كيفك! بس بيظهر ناسي شو ناطرك فوق! صوم، قطاعة، نوم ع الأرض، جلد، لبس مسح… شمس البريي بتكوي كي، وصقعة الشتي بتقص المسمار. راح تكون وحدك ع الصليب، وحدك عم تتألم … وعم تموت … وعم تهلك… رجاع ع الدير… رجاع!…

انما القوة التي تدعى نعمة، اصمت اذني بطل التقشف عن صوت المجرب، فاجتاز باب وحدته المبارك، غير مبال بالهواجس.
في الكنيسة امام القربان المقدس، خر على ركبتيه يناجي المتوحد الإلهي قلباً الى قلب:

– رباه، ها اناذا معك على الجلجلة. ما انا سوى راهب مسكين، عرضة للتجربة كالناس اجمعين. لكنني بك وفي قوة قدرتك اتشدد. وعلى الرغم من ارتعاد جسدي، انا قوي متدجج بسلاح نعمتك، شاعربأن القفر يتسع امامي ويمتد ويزدهر ويشرق على طيب لقاء. وبكل خاطري، اجدد وعدي بأن اضحي معك كل يوم.على هذه الجلجلة سأواصل بنعمتك سر الفداء الذي ما برحت به تخلص العالم.

دستور الحبساء

القوانين ورعاتها هم بالمرصاد كي يقولوا لمن تخدعه وحدة ليس هو اهلاً لها : قف يا صاح، ليست الطريق طريقك ، ولا الدعوة دعوتك. لا يجهل شربل قانوناً راح ينضوي تحت لوائه. قانون سوف يجدد وينظم علاقاته مع الله، ومع نفسه ومع القريب.
كان النسك الرهباني في لبنان ، خالياًً من التشريع ومن المركزية. لكنه منذ تأسيس الرهبانية المارونية اللبنانية، اقتضى ان يفرد له الأب عبد الله قرألي احد المؤسسين ، باباً خاصاً في القانون تكلم عن واجبات الحبساء والمنفردين.
على ان هذا القانون الوجيز، لما كثر عدد المحابس والحبساء، لم يعد يكفي حاجة الحياة النسكية. فوضع الأب اغناطيوس بليبل عام 1810 ثلاث عشرة فريضة جاءت شرحاً وامتداداً للقانون الأساسي:
1- على من يشاء الإنفراد في المحبسة ألا يعمل برأي نفسه بل عليه ان ينال اذن الرئيس العام وبركته.

2- وليعلم انه لم ينفرد ليفلت من القوانين والفروض الديرية، بل ليزيد كمالاً بممارسة الفضائل والإماتة، وبكل عمل لا يعيقه عن الصمت والخشوع، روحياً كان ام جسدياً.

3- يتبع الحبساء ، في الأعمال المشتركة من حيث الرتبة والتقدم ترتيباً يضعه الرئيس العام. اما في الممارسات الخاصة كالصوم والسهر فتترك المبادرة لفطنة الحبيس. غير ان الأضمن له إتباع مشورة مرشده الروحي.

4- على الحبيس احترام الجميع سواء كانوا اعلى رتبة منه او ادنى. وليبد الإكرام بالأكثر للمتقدم كأنه رئيسه.

5- محظور كل اجتماع لأجل احاديث غير مفيدة. اما في حالة المرض، فليوجه الحبيس الى اخيه كلاما معزياً ومسلياً، مفيداً خلاص نفسه وازدياد حبه لله.

6- الحبيس هو من طابق اسمه مسماه. اي من لازم الوحدة وقمع حواسه وافكاره، والذي لا يخرج من عزلته إلا لضرورة قصوى. ولا يجوز ان تكون له صداقة مع احد غير اخوته المختمرين بالفضيلة، القليلي الكلام، لأن بكثرة الكلام وإن مفيداً، تعكيراً لجو الصلاة.
7- لا يقطن الحبيس في غرفة يسمع منها صوت بكائه وتنهداته في الصلاة او ترنيمه اوان الضجر.

8- لا يؤاكل احداً في قليته. وليحذر التذمر في اكله وشربه، لأنه جاء المحبسة للتعري من اللذة الحسية وللإستغراق في تذوق المحبة الإلهية.

9- لا يتناول الحبيس طعاماً إلا مرة واحدة في اليوم، الساعة الرابعة عشرة. ولا تكن وجبة طعامه إلا شكلاً واحداً، يمكن ان يضاف اليه شكل آخر من بقول او زيتون وما اشبه. ومن احب اماتة نفسه اكثر فليتقيد برأي المتقدم.

10- لا يحتفظ في قليته بأي طعام او شراب، إلا بإيريق ماء، يحول دون خروجه ليشرب فتتشتت افكاره.

11- كل ما من شأنه ان يضر به من حيث المسكن او الملبس او المأكل، فليخبر به الرئيس ويعمل بمشورته.

12- ليس له ان يأكل لحماً ولو كان مريضاً إلا بإذن من الرئيس العام. وإن طال مرضه، فأما يعاد الى الدير، وأما ينقطع عن اكل اللحم ويقتبل الموت نظير حبيس حقيقي.

13- من لم يتقدم في كمال الحياة النسكية، بل يسترسل في الكسل وفي الأفكار الباطلة عليه ان يعود الى الدير؛ انما الحكم بذلك يعود الى الرئيس او المتقدم.

الى هذه الفرائض القانونية الأساسية يضاف قانون تقليدي يقع في ستة بنود، جاء فيها:

1- يحظر على النساء بتاتاً دخول حصن المحبسة. يجب عليهن لكي يشتركن في القداس الإلهي، ان يمكثن وراء "الشعرية" المنزلة في باب الكنيسة الخارجي.

2- يجب على الحبيس الا يقص شعر رأسه، بل يتركه مسترسلاً على غرار انسان منذور للرب.

3- عليه الا يذوق فاكهة او حلوى، والا يشرب مسكراً. ايام الصوم ، فليكتف بتناول البقول المتبلة بالزيت فقط.

4- الصمت واجب. ان دعت الضرورة، فليتكلم بإيجاز وبصوت خافت.

5- يجب الا يخطف من النوم سوى خمس ساعات. وعليه ان يتلو صلاة الفرض في الشحيم الكبير على القراءة.

6- ينبغي الا يغادر المحبسة الا بإذن من الرئيس.

وما زاد على هذه الفرائض، كلبس المسح، او حديد شائك على الجسم، او باقي التقشفات، يقتضي اذن الرئيس.
ومن قراءة هذه القوانين يتبين لنا ان الكنيسة، حذراً من ان يتعرض الحبساء لأوهام الرأي الذاتي وغواياته، ولأي نوع من التطرف والخداع، قد احاطت الدعوات الى الحياة النسكية بيقظة كلية، فارضة القوانبن الدقيقة، والرقابة المتواصلة النبيهة على اهل الصوامع وتصرفاتهم.

بمجرد الإطلاع على القانون النسكي يصير بإمكاننا ان نفهم- ولوعلى قدر معين- الصوفية الشربلية،وان نتفهم نهج الحياة الذي اتبعه شربل منذ ان قرر سلوك طريق القداسة.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل