#adsense

لماذا “الحصة الرئاسية” في الحكومة؟

حجم الخط

لماذا "الحصة الرئاسية" في الحكومة؟

اعترضت شعوب لبنانية عدة على الدستور الذي حكم لبنان بموجبه منذ استقلاله عام 1943 معتبرة انه يركز صلاحيات كثيرة ومهمة في رئاسة الجمهورية الامر الذي جعل من كل من شغل سدّتها نوعاً من الملك غير المتوج. علما ان الممارسة السياسية طوال تلك الحقبة وحتى اندلاع الحرب عام 1975 ساهمت في شكل او في آخر في تقليص جزئي لهذه الصلاحيات من خلال نشوء اعراف فرضت نوعاً من المشاركة بين هذه الرئاسة ورئاسات اخرى. لكن التقليص الفعلي للصلاحيات الرئاسية او التعديل الفعلي لها، وهذا هو التعبير العلمي، لم يحصل الا في مدينة الطائف السعودية وعلى يد النواب اللبنانيين الذين اجتمعوا فيها بدعوة من لجنة ثلاثية عربية رفيعة المستوى كانت مكلفة في حينه من القمة العربية مساعدة اللبنانيين على وقف حروبهم وحروب الآخرين على ارضهم وبدعم وتأييد من غالبية المجتمع الدولي بقيادة اميركا. مع التأكيد هنا ان التعديل ما كان ليتم التوافق عليه لولا الحروب المذكورة، ربما لان الغبن والحرمان وانعدام المشاركة او بالاحرى قلتها من المسلمين في السلطة والمقصود السلطة التنفيذية تحديداً، كان احد اسبابها، طبعاً اضافة الى اسباب اخرى مثل العوامل الخارجية من اقليمية ودولية والاختلاف العميق بين اللبنانيين او شعوبهم على مسلمات وطنية كثيرة.

الا ان التعديل الدستوري، او بالاحرى التعديلات الدستورية التي توافق عليها الجميع وأقرها النواب، لم يطبق بعضها وطبق بعضها الآخر جزئياً وطبق بعضها الاخير شكلياً، رغم ما كلفته من دماء وخراب ودمار وتخلف عن مواكبة مسيرة التقدم المتنوع في العالم. ومن تلك التي طبقت جزئياً او شكلياً صلاحيات رئيس الجمهورية. ذلك انه احترم النصوص التي انتزعت منه السلطة التنفيذية وناطتها كلها بمجلس الوزراء مجتمعاً وطبقتها. لكنه لم يحترمها فعلاً، ذلك انه مارس او اعتقد انه يمارس السلطة التي كانت لرئيس الدولة قبل الطائف باعتبار ان صاحب السلطة الفعلي كان سوريا عبر ممثليها في لبنان من سوريين ولبنانيين. ولم يعترض احد فعلياً على ذلك باستثناء الرئيس الشهيد رفيق الحريري، ومنذ انضمامه الى نادي رؤساء الحكومة في عهد الرئيس (الراحل) الياس الهراوي. وكان اعتراضه بغية اقناع صديقه الهراوي باحترام التعديل الدستوري المتعلق بموقع السلطة التنفيذية وفي الوقت نفسه باعتباره شريكاً في هذه السلطة رغم مخالفة ذلك الدستور. وتوسع اعتراضه ايام الرئيس اميل لحود فعبّر عنه باعتذار عن عدم تأليف الحكومة الاولى في عهده.

لماذا هذا الكلام الآن؟
لتذكير الناس وتحديدا الشعوب اللبنانية المتناحرة وقادتها والزعماء بالدستور الذي يبدو انهم نسوه او تجاهلوه. ويفرض هذا التذكير كون لبنان في بداية عهد رئاسي جديد وفي مخاض تأليف الحكومة الاولى فيه وفي خضم عدم استقرار امني وسياسي كاد ان يشعل حرباً اهلية وتحديداً مذهبية في ايار الماضي ويمكن ان يشعلها في اي لحظة وخصوصاً اذا فشل طابخو الحكومة، علما ان هذه الحرب ستبقى واردة ما دام استمر هؤلاء القادة الزعماء وشعوبهم في تجاهل الدستور، بل في التصرف عكس نصوصه واحكامه ومبادئه، وعكس النظام الديموقراطي البرلماني الذي يفترض ان البلد يعيش في ظله.

ويظهر نسيان الدستور او تجاهله او ربما جهله جلياً اولا عند كثيرين ممن يسمون نخبة او مثقفين وذلك من خلال مطالبتهم الشفهية والخطية الرئيس الجديد بان يقوم بأمور كثيرة وعميقة وجدية لا تسمح له صلاحياته بالقيام بها، وخصوصاً لإبعاد شبح الازمة الحكومية اللائح الآن.

ويظهر ايضاً من خلال الاتفاق غير الدستوري اذا جاز التعبير في الدوحة على اقتسام الحقائب الوزارية وتحديدا على تخصيص رئيس الجمهورية بثلاث حقائب. فرئيس الجمهورية هو الحَكَم ورئيس الجميع ولا علاقة له بالسلطة التنفيذية الا عندما يترأس اجتماعات مجلس الوزراء عند حضوره اياها. وهذا الحضور استثناء وليس دائماً وفقاً لنصوص الدستور وخلافاً لاجتهادات "الفقهاء". وبالتخصيص المذكور صار جزءاً من مجلس الوزراء بل اضعف جزء فيه. فكيف يكون حكماً في وقت يستطيع الآخرون اي اصحاب الغالبية المطلقة واصحاب الثلث المعطل ان يقفوا ضد اقتراحات الفريق الحكومي للرئيس ومشروعاته. ويظهر نسيان الدستور او تجاهله اخيراً وليس آخراً من خلال افراغ الديموقراطية البرلمانية من محتواها بالموافقة على ثلث معطل للمعارضة في الحكومة اي بتحويل مجلس الوزراء مجلساً نيابياً مصغراً. علماً ان ذلك يمكن ان يؤدي الى امر من اثنين. الاول، تعطيل مجلس الوزراء نهائياً وتالياً الدولة. والثاني، "تعويد" الناس ممارسة عملية لفيديرالية او لكونفيديرالية يمكن ان يكون يفكر فيها كثيرون في لبنان وخصوصاً الذين منهم فكروا بحكم لبنان وحدهم في الماضي وفشلوا والآخرون الذين يعتقدون انهم لن يفشلوا ولكنهم يحضرون في الوقت نفسه البديل المناسب لهم في حال الفشل.
هل من اقتراحات بعد كل هذا "التنظير"؟

اقتراح واحد هو مبادرة رئيس الجمهورية الى التخلي عن حصته الوزارية كي لا يكون هناك مستمسك ما على خرقه الدستور هو المكلف حمايته ورعاية تطبيقه، وليتقاسمها الباقون اذا كانت حصصهم لا تُشبعهم وليكونوا مسؤولين وحدهم امام الرأي العام او بالاحرى امام شعوب لبنان، لان لا رأي عاماً موحداً فيه عن اي تطور سلبي قد تتسبب به تصرفاتهم مستقبلاً او مصالحهم المتنوعة والبعيدة غالبيتها عن مصالح الوطن.

المصدر:
النهار

خبر عاجل