#adsense

لبنان، النظام السوري وفرنسا

حجم الخط

بعض الحقائق اللبنانية الراهنة [5]
لبنان، النظام السوري وفرنسا!

1 – ليس صحيحاً ان قيام الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي بتوجيه دعوة رسمية الى الرئيس السوري بشار الاسد لحضور العيد الوطني الفرنسي في الرابع عشر من تموز المقبل يمثل انتقالا للنظام السوري من حقبة التدخل في الشؤون اللبنانية بالسياسة والامن والدم والارهاب الى حقبة بدأت بتسهيل انجاز اتفاق الدوحة وانتخاب العماد ميشال سليمان رئيسا للجمهورية ليصير معه النظام اكثر مواءمة مع القوانين والاعراف الدولية، وليجري تعديلا جوهريا في سياساته اللبنانية، العراقية، والفلسطينية. فالنظام السوري هو إياه، وكل ما يشاع عن تحول لا ينم إلا عن اوهام تسكن الديبلوماسيات الغربية ولا سيما الاوروبية منها. واخطر ما في ديبلوماسية الاوهام تلك ان اصحابها سرعان ما سيفيقون على وقائع جديدة تسيطر على ارض الشرق العربي. فرفع الحظر الفرنسي عن النظام السوري يتزامن عمليا مع نصف النجاح الذي لقيه انقلاب "حزب ولاية الفقيه" في لبنان، واحتلاله الفعلي العاصمة بيروت، وتهديده بقية المناطق، وبالتالي إن حقيقة مستجدة ميدانياً تفيد أن الحزب المذكور الذي يمثل ذراعا امنية – عسكرية – سياسية للمشروع الايراني في المنطقة هو في طريقه الى التحول عن الصدام المباشر بإسرائيل، نحو الداخل اللبناني في محاولة لبسط سيطرته الكاملة عليه في مسار منهجي قد يقصر او يطول تبعا للمقاومة التي سيواجهه بها الاستقلاليون اللبنانيون. وبالمعنى الدولي إن سيطرة الذراع الايرانية على دولة بكاملها بما تحمل من شرعية يؤدي حكما الى بلوغ الراعي الاقليمي شواطئ شرق المتوسط واستقراره في عمق الشرق العربي (لبنان)، وعلى مسافة 300 كيلومتر (قبرص) من اوروبا، مما يضع في المدى القريب في المتوسط مدنا مثل اثينا او روما في مرمى :شهاب – 4” الايراني!

2 – من المعلوم ان الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي انطلق في عهده مقتنعا بجدوى الانفتاح على دمشق. وقد كان للتأثير القطري من ناحية، وللرغبة في انجاز قطيعة مع آخر الديغوليين سلفه الرئيس جاك شيراك من ناحية اخرى، دور كبير في حمل ساركوزي على استحداث اختراق لا سابق له حين دعا الى مؤتمر لا سيل سان – كلو للحوار في منتصف الصيف، فاتحا بذلك ابواب اكبر العواصم الاوروبية امام "حزب ولاية الفقيه" المتمرد على المجتمع الدولي. ثم اتت المبادرة الفرنسية التي قادها ظاهريا وزير الخارجية برنار كوشنير، بينما كان الامين العام لقصر الاليزيه كلود غيان والمستشار الدبلوماسي جان دافيد ليفيت يشرعان في تعبيد الطريق بين ساركوزي والاسد. وعلى رغم تهرب الاسد من التزاماته وغضب ساركوزي مطلع السنة الحالية، فإن المسار لم ينقطع. واستندت الى الفكرة القائلة ان الانفتاح على الاسد اكثر ربحية من سياسة المقاطعة والضغط التي ينادي بها الاميركيون، فضلا عن ان لا حل في لبنان من دون دمشق. وبناء عليه اعتبر الفرنسيون ان انجاز اتفاق الدوحة شكل بادرة سورية ايجابية لا بد من ملاقاتها بإطلاق دورة العلاقات مع النظام في دمشق.

3 – يعتبر الفرنسيون ولا سيما الثنائي غيان – ليفيت ( قيض من كوشنير راهناً)، ان ثمة تغييرا جوهريا بدأ يطرأ على سلوك الرئيس السوري بشار الاسد. ويرون ان وزير الخارجية برنار كوشنير لا يمثل روح العهد الرئاسي الفرنسي الجديد الذي يجسده الرئيس ساركوزي. لذلك دار صراع خفي بين الثنائي المشار اليه وكوشنير جرى بنتيجته تحييد الاخير عن ملفي لبنان والعلاقة مع النظام في سوريا. ولعل في تصريح كوشنير السلبي حيال دعوة الاسد الى احتفالات 14 تموز ما يعكس شيئا من مناخات الانقسام في الديبلوماسية الفرنسية التي تبقى في ظل الجمهورية الخامسة، ومهما تكن شخصية الوزير متميزة، جزءا من "حديقة الرئيس الخلفية": وقد اثبت "ساركو" ذلك بالممارسة بذهابه بعيدا في سياسة الانفتاح على الاسد.

4- عندما انتخب الرئيس ساركوزي خلفا للرئيس جاك شيراك وأبدى رغبة في مقاربة مختلفة للعلاقة مع النظام في دمشق ظنا منه انه سيحقق ما لم يحققه شيراك، قلنا ان ساركوزي سينجذب في اتجاه التجريب بنفسه، ثم لا يلبث ان يصل به الامر الى حيث انتهى سلفه. وهذا ما حصل في المرحلة الاولى التي انتهت بسقوط المبادرة الفرنسية في نهاية العام الفائت. واليوم نقول مجددا ان الاغراق في الانفتاح على الرئيس بشار الاسد لقاء ثمن بخس في لبنان (لا تنسوا ان الانقلاب هنا قائم على قدم ساق) ومسار تفاوضي مبهم مع الاسرائيليين، سيعيد صاحبه بعد مدة غير طويلة الى الاستنتاج نفسه الذي وصل إليه السلف جاك شيراك، وهو الذي كان تبنى الاسد الابن قبل ان يرث والده،ثم اختبره على حقيقته ليفقد الامل منه مثلما فقده معظم قادة العالم والعرب، وخصوصا ان كل العلامات تشير الى ان الاسد يشتري الوقت في إنتظار انتهاء ولاية الرئيس الاميركي جورج دبليو بوش ليس إلاّ. ومن هذا المنطلق إن دعوة الاسد الى الاحتفالات بالعيد الوطني الفرنسي خطوة كبيرة جدا في سلبيتها، وهي رسالة سيئة الى احرار سوريا واستقلاليي لبنان، والى الاعتدال العربي ايضا مفادها ان الغرب وفرنسا ساركوزي خصوصاً يفضلان مكافأة السلوك السلبي والمروق الدولي!

المصدر:
النهار

خبر عاجل