عون يُقر بأن معركته الحكومية هي مع رئاسة الجمهورية وآخر مقترحاته
يُظهر أنه يعدّ للانتخابات النيابية بشعارات صراع إسلامي ـ مسيحي
سليمان يتصدّى للحرب المفتوحة على "الثالوث الماروني" في لبنان
بانتقاله، أمس، الى القصر الجمهوري للبحث في العراقيل التي تحول دون تشكيل الحكومة الجديدة، أقرّ العماد ميشال عون أنه يخوض صراعاً مباشراً مع الرئيس ميشال سليمان، وأن مشكلته الحقيقية تتمحور حول حجم رئيس الجمهورية اللبنانية في معادلة القرار السياسي في البلاد.
الرئيس سليمان كان يُدرك من قراءة تفاصيل المطالب العونية المعرقلة لتشكيل حكومة عهده الأولى هذه الحقيقة، ولذلك عندما قرّر الدخول على الخط، رفع سمّاعته وتحدث مع عون، ودعاه الى القصر الجمهوري للبحث في حل الإشكالات العالقة.
وليس مهماً ما نقله عون الى القصر الجمهوري أمس، لأن الأهم يبقى في نظرة "جنرال الرابية" الى الدور المنوط برئاسة الجمهورية في لبنان، فهو لا يُريدها تعبيراً عن طموحات المسيحيين في السلطة بل يُريدها حيادية تدير الصراع الذي سيُنشئه هو مع أطراف لبنانية مسلمة، مما يؤهله أن يكسب عاطفة الشارع في الانتخابات النيابية المقبلة، ويُفجّر البلاد من بعدها ومعها رئاسة العماد ميشال سليمان.
وعلى هذا الأساس، أخطأ عون كثيراً بحق الجمهورية، رئيساً وشعباً، عندما تقدم بآخر اقتراحاته، بحيث طلب من الرئيس سليمان أن يتمثل في الحقيبتين السياديتين في الحكومة الجديدة بوزير مسيحي وثانٍ مسلم. أخطأ، لأنه رسم معالم معركة يُخطط لها، وهي معركة إسلامية ـ مسيحية، في حين أن الواقع الحالي للأزمة السياسية ليس إسلامياً ـ مسيحياً على الإطلاق، بل هو في حال توسيع الرؤية، صراع وطني، وفي حال تقريبها يكون صراعاً شيعيا ـ سنياً مسلّحاً يفتعله "حزب الله"، وصراع ماروني ـ ماروني يفتعله عون.
ووفق ما يُنسب الى قوى الأقلية والأكثرية، فإن عون في نقاشاته الحكومية لا يهتم إلا بانتخاباته النيابية، وكأنه موعود بأنه من بعدها، وفي حال حصوله مع قوى الثامن من آذار على الأكثرية المطلقة في المجلس النيابي العتيد، سيكون هو سيد قصر بعبدا.
ومن أجل هذا الهدف، يضرب عون ما تبقى من مقوّمات القوة المارونية في البلاد، كيف ذلك؟
من يُمعن النظر في الواقع الماروني اللبناني يُدرك أن قوة الموارنة تقوم على ثلاث ركائز أساسية، وهي: رئاسة الجمهورية وبكركي والجيش اللبناني.
ومن يُدقق بسلوكيات عون بجديدها وقديمها يكتشف أن عون لا يُوجّه سهامه إلا إلى هذه الركائز. معركته مع بكركي مشهودة. لا عودة الى التاريخ، كما يفعل عون في مواجهته المفتوحة مع الدكتور سمير جعجع، بل إكتفاء بالحاضر، بحيث فتح نيرانه على البطريركية المارونية واحتضن كل من وجه قذائف الذم والقدح الى سيّد بكركي. ومعركته في مواجهة الجيش اللبناني حالياً مقروءة، فهو يريده بعيداً من القصر الجمهوري حيث مقر القائد العام للقوات المسلّحة، كما يُناصر كل من يُرهق هذا الجيش ويشوّه سمعته في الشارع اللبناني، حتى أن عون، في خضم معارك نهر البارد، لم ير سوى حرب إلغائه المفتوحة على العماد ميشال سليمان، فراح يُعد الشهداء، بدل أن يكون قلباً وقالباً الى جانب قيادتهم. أما قصته مع رئاسة الجمهورية منذ اعتلاها العماد ميشال سليمان، فهي من أفظع "ارتكابات" عون، ذلك أنه فجأة تخلّى عن نظرية الرئيس القوي المحمي بالتأييد الشعبي وبمؤازرة كتلة نيابية، فانحرف، عن سابق تصور وتصميم، الى امتصاص الارتياح العام الذي واكب الانتخابات الرئاسية، ليس من خلال تعطيل العملية الحكومية والتبكير في فتح دفاتر الانتخابات النيابية فحسب، بل أيضاً من خلال مواجهة سليمان مباشرة لتقليص حضوره الفاعل في السلطة التنفيذية في البداية قبل أن ينتقل لاحقاً الى محاولة تقليص حضوره المسيحي الفاعل في هذه السلطة.
ولكن ثمة من يحتج: كل ذلك يحصل وسليمان يعتصم بالصمت؟
صحيح أن العامة تضغط على رئيس الجمهورية لاتخاذ موقف علني حاسم ضد من يعرف أنه يعرقل تشكيل الحكومة، لكنّ الأصح أن سليمان ليس من طينة أولئك الذين "يُشوشطون" الطبخة بالصراخ والإطلالات الديماغوجية.
وهذا لا يعني على الإطلاق أن رئيس الجمهورية صامت، بل هو يتكلم بلغة رمزية يفهمها الضمير الوطني هنا والضمير الماروني هناك.
كيف ذلك؟
على المستوى الوطني بداية، فإن الرئيس سليمان حين اجتمع بالرئيس فؤاد السنيورة، مساء السبت الماضي، كان ذلك على إثر حملة مركزة تستهدف منعه من تسلم وزارة الدفاع الوطني ممثلاً بالوزير الياس المر. في هذا اللقاء طلب سليمان من السنيورة أن يجزم بالأكيد، فخرج الرئيس المكلف وقال إن على الأقلية أن تختار حصراً إما وزارة المالية وإما وزارة الدفاع. وفهم الجميع أن رسالة الرئيس سليمان الى المسؤولين عن الحملة التي تستهدفه، أن مسألة وزارة الدفاع ليست مطروحة للبحث.
وعلى المستوى المسيحي، فإن زيارة رئيس الجمهورية لعمشيت، يوم الأحد الماضي، بكل شكلياتها، جاءت على إثر تصريح عون بأنه هو ممثل المسيحيين وأن سليمان يجب أن يكون حياديا ويوزع نفسه على التمثيل المسيحي والإسلامي. ومن يُدقق في حيثيات زيارة عمشيت الرئاسية يتوقف عند مجموعة من الدلالات المسيحية، فهو قال إنه مسيحي ليس أباً عن جد بل جداً عن جد، حين تمّ توزيع نبذة عن كنيسة "سيدة نايا" حيث يرقد المرحوم والده، بحيث تبيّن أن جد العائلة عباس سليمان هو من حوّل هذا المكان من معبد وثني الى كنيسة مارونية في العام 1750، ومن ثم قال رئيس الجمهورية بكلامه المرمّز، إنه ماروني فخور بانتمائه الديني، وذلك عندما طلب من المطران بشارة الراعي أن يبارك منزله بالمياه المصلّى عليها ووقف مع زوجته السيدة وفاء يشارك في الصلاة.
وعلى هذا الأساس، فإن الرئيس سليمان لا يقف مكتوف الأيدي إزاء محاولات عون سحب البساط من تحت قدميه بل يتحرك بالطريقة التي يعتبرها مثالية للإمساك بزمام الأمور، إداركاً منه أن الواقع المسيحي في البلاد لا يحمل حرب بيانات إلغائية بين موقع مسيحي وآخر، وثقة لديه بأن صناعة المستقبل لا تتطلب على الإطلاق مطالبته بأن يكون الوجه الآخر لاميل لحود.