رسالتي الى العونيين
د. شربل نصار
يأتي البعض ليقول بسوء مجتمعنا ويأسه منه. والبعض الآخر لا ينفك يلقي الملامة يمينا ويسارا على الناس والزعماء والطبقة السياسية والدول الخارجية ولا يسلم رجال الدين والكنيسة. ولا يتردد كثيرون بإلقاء اللوم والشكوى على الله لأنه خلقهم في لبنان وكأن الله فعل ذلك عن قصد بنية ايذائهم.
لهؤلاء نقول: كفى تذمرا. ربما نسيتم لمن يجب فعلا توجيه اللوم والملامة! لوموا أنفسكم! تلقون باللوم على الزعماء وتنادون برحيلهم وكأن هؤلاء يأتون من السماء…! وتتناسون أن الزعماء يتم انتخابهم من قبل اللبنانيين أنفسهم. تنتقدون الدولة والحكومة والحكام وتتهمونهم بانتهاك القوانين وأنتم تسخرون في الوقت عينه ممن يحترم القانون وتدافعون عن الذي يهتك كل القوانين ويحمل السلاح الخارج عن كل القوانين!
ترعرع الكثيرون ونشأوا على حلم طالما آمنوا به وآمن به الكثيرون. شبوا على آمال وتطلعات وشابوا على مآس وصراعات. بنوا أملوا وتأملوا. ولكن قبلهم فعل الكثيرون. وهذا ليس بعيب. ولكن ما هو معيب كل العيب أن ينسى هؤلاء كل أو بعض ما حلموا به وأملوا وتأملوا! ومعيب أن يغفل هؤلاء لكل أولبعض مما نادوا به وقاتلوا من أجله وماتوا واستماتوا…!
كيف ينسى المرء توجهاته السياسية وما اعتنق من مبادئ وأفكار لمجرد أن زعيمه ارتأى مصالحه حيث يريد ولو على حساب قواعده ومؤيديه؟ كيف يؤيد المرء من يؤيد بالرغم من انحرافه عن الخط السياسي الذي طالما ناضل من أجله؟ حذار الوقوع في الخطأ. فالفرق شاسع بين الخطأ التكتيكي في السياسة اليومية وبين الانحراف السياسي. ليس من سياسي لا يقع في الخطأ التكتيكي والا لما كان سياسيا بل إلها. أما الانحراف السياسي، فهو عار على مرتكبه لأنه خيانة وغدر، خيانة للمعتقدات وغدر بمعتنقيها.
ألم يسأل هؤلاء يوما عن وجهة تحالفاتهم الجديدة؟ أولم يستغربوا هذه الشبكة المشبوهة من الانسجامات السياسية المستجدة على معارفهم على الأقل؟ هل تغير شيء في خطاب من يحالفون اليوم ممن أكنوا لهم عداء مريرا وطويلا؟ وبالتالي اذا كان الحلفاء المستجدون لم يغيروا شيئا في خطابهم السياسي كيف تم اذا التحالف الجديد وعلى أي أساس؟ فلا شك أن زعيم هؤلاء الذين لم يسألوا أنفسهم بعد، هو الذي غير بخطابه السياسي أو لربما كشف عن خطابه الحقيقي الذي كان يخفيه عنهم لسنين طوال. ولماذا الاستغراب؟؟ ألم يخفي هذا الزعيم في البدء ولدى عودته الى ربوع الوطن شبكة التحالفات الجديدة هذه، ومن ثم بدأ يظهرها شيئا فشيئا وبشكل تدريجي مهيئا لها المناخات اللازمة التي تؤمن قبولها من قبل قواعده من دون صدع أو تصدع؟ ألم يرفض في البدء استعمال كلمة "تحالف" واستعاض عنها بكلمة "تفاهم" خوفا على شعبيته من الانهيار والتمزق؟ ومن ثم أصبح اليوم يتباهى ليس بهذا التحالف فقط بل بكل تحالفاته التي يشبكها بالاطار عينه. ولماذا القناع اذا كان المرء يفتخر بما يفعل؟؟؟
ألم يسأل هؤلاء يوما لماذا يهاجم زعيمهم باستمرار كل من يطالب اليوم ويسعى الى تجديد لبنان وإبعاده عن قوى التزمت والرجعية وأنظمة الفكر الواحد والرأي الواحد والحزب الواحد؟ لماذا يهاجم زعيمهم كل من التقوا على مبادئ وأفكار طالما اختلفوا من أجلها؟ فهذه مبادئ الجميع وهي ليست حكرا على أحد.
لماذ يهاجم زعيمهم أخصامه متهما اياهم بالسرقة والتسلط واحتكار الحقوق ولا يتوجه بأي كلمة تجاه حلفائه؟ فهل كل حلفاء هذا الزعيم شرفاء أبرياء؟! هل من يريد الاصلاح الحقيقي يصوب في اتجاه واحد فقط أم عليه التصويب في كل الاتجاهات ليكشف الخطأ ويدين الخطيئة أينما وجدت؟
لهؤلاء نقول: لا تكيلوا الاتهامات العشوائية فليس في ذلك منفعة. ومن منكم بلا خطيئة…؟ نعم للاصلاح… ولكن تأكدوا أنه لن يأتي أبدا باعتماد المعايير الشخصانية. فبناء دولة الحق لا يتحقق الا ببناء وتقوية المؤسسات الدستورية والقانونية التي تحكم شأن المجتمع. ولا يمكن البدء الا بالبديهيات. لا تجدي المطالبة بالاصلاح نفعا اذا انعدمت المؤسسات التي تؤمن وتحمي هذا الاصلاح. وهل يؤمن بالاصلاح من لا يرى الفساد الا عند خصومه السياسيين؟ هذا حكما ليس باصلاح انما تصارع سياسي دفين مبني على خلفيات مستترة مقنعة بقناع اصلاحي.
وكيف يمكن أن يقتنع أحد من المسيحيين بأن مسؤولا يدعي أنه استعاد حقوق المسيحيين وهو لا ينفك يسعى الى تدمير المجتمع المسيحي عبر نبش كل أنواع المقابر والأحقاد ونكء الجراح؟
فهل "حزرتم" عمن أتكلم…؟