#adsense

اتفاق “الدوخة”؟

حجم الخط

اتفاق "الدوخة"؟!

لن يُعطى العهد الجديد أي فرصة حقيقية لالتقاط الأنفاس والانطلاق في السعي الى تحقيق ما جاء في خطاب القسم المتوازن والحكيم الذي يريد فعلا للبنان ان يبدأ صفحة جديدة من البناء والترميم والانقاذ على قاعدة وحدة وطنية حقيقية وصادقة تنتشل هذا البلد من دائرة التناقضات والصراعات الاقليمية والدولية التي تجعل منه حلبة او ارضاً سائبة لحسابات الآخرين ومصالحهم.
واذا كان من المتعارف عليه ان تكون المئة يوم الاولى من بداية كل عهد فترة ضرورية للتعاون وتسهيل الامور، فإن عهد الرئيس ميشال سليمان لم يحظ بمئة دقيقة من التعاون والهدوء. فالعصي التي وضعت في دواليبه لمدة ستة اشهر كمرشح توافقي للرئاسة تم تطويرها لتوضع امامه لمدة ستة اعوام، على ما يبدو، بعدما انتقل من قيادة الجيش الى رئاسة الجمهورية وسط تأييد عربي ودولي عارم، لكنه لا يفيد كثيرا في مواجهة "الطوابير الخامسة" التي تعمل لحسابات خارجية او لرهانات شخصية تلعب فيها "السادية السياسية" دوراً يكاد يكون مرضياً!

❑ ❑ ❑

واذا كان في وسع اللبنانيين من اهل هذه القبائل المتناحرة والمنقسمة (وقد وصلت حماقة الاصطفاف الاعمى الى داخل الاسرة الواحدة عداء وصلفاً) ان يفهموا هذا الجنون المطبق الذي نسميه سياسة، فليس في وسع الآخرين بالطبع ان يفهموا ما يجري.
وهكذا ليس غريبا ان يصرخ عمرو موسى وهو يهرب من بيروت: "يا جماعة، إن تشكيل الحكومة هو مسؤوليتكم"، ولا عجيبا ان يحرص السفير السعودي د. عبد العزيز خوجة على ان يكرر في نهاية زيارته ولقاءاته ان السعودية تقف على مسافة اخوية واحدة من جميع اللبنانيين ولا تتدخل في شؤونهم وخصوصا في مسألة تشكيل الحكومة الجديدة.
أما امير قطر الشيخ حمد بن خليفة ورئيس وزرائه الشيخ حمد بن جاسم، وقد بذلا جهدا كبيرا ومشكورا لمساعدة اللبنانيين خلال لقاءاتهم في الدوحة، فمن حقهما الآن ان يغرقا في الذهول امام ما يجري عندنا. فهل ما تم التوصل اليه هناك يستحق اسم "اتفاق الدوحة" فعلا؟

❑ ❑ ❑

قياساً بالعراقيل التي تواجه العهد وتعترض تشكيل الحكومة الجديدة التي اتفق على توزيع حصص الاكثرية والمعارضة والرئيس فيها، وامام شعلة الاضطراب الامني المتأججة، يمكن القول انه "اتفاق الدوخة" لا الدوحة، وان كل ما حصل حتى الآن هو انجاز انتخاب العماد ميشال سليمان رئيساً، ولكن سرعان ما تم اشعال النيران في اذياله بهدف احراقه باكرا، وهو امر ليس خافيا عليه بالطبع ولا على احد من اللبنانيين او المهتمين بلبنان.

❑ ❑ ❑

والعهد موضوع على نارين، نار العقد الحكومية التي قد تجعل من التشكيل ازمة متمادية، ونار الشعلة الامنية المتأججة وخصوصا في منطقتي سعدنايل وتعلبايا في البقاع والتي تهدد في كل لحظة باعادة تأزيم الامور في بيروت وطرابلس وغيرهما.
واذا كان الرئيس سليمان يغرق منذ ايام في سعي دؤوب لمعالجة العقد والعراقيل والشروط توصلا الى التفاهم على تشكيل حكومة الوحدة الوطنية، فإنه يظل ايضا كما اشار امس على اتصال دائم استمر طوال ليل الاثنين – الثلثاء مع القيادات الامنية لانهاء الاحداث المقلقة جداً في منطقة البقاع.
واذا كان "اتفاق الدوحة" قد خص رئيس الجمهورية التوافقي بحقيبة الداخلية لاننا ذاهبون الى الانتخابات، فإن ما يدعو الى الاستغراب فعلا محاولات فرض الارادة او الرغبات المبيتة عليه من خلال املاء الشروط المتصلة بحقيبة الدفاع، فاذا كانت لمسيحي يحظر على سليمان ان يختار لها الوزير الياس المر ربما لانه صاحب كفاءة وله تجربة سابقة في التعاون البنّاء مع سليمان. اما اذا كانت لمسلم، كما يقترح الحرصاء على الوحدة الوطنية حرصهم على حقوق المسيحيين (!)، فهو أمر قد يصطدم بمحاذير سنّية وشيعية في الظروف الراهنة والمؤسفة. وعندها لن يكون في الميدان إلا حديدان كما تقول الامثال !

❑ ❑ ❑

في اي حال، اذا كان تشكيل الحكومة مع وجود رئيس للجمهورية قد صار اشبه بمسيرة على درب الصليب، فكيف كان من الممكن ان يكون الاتفاق عليها قبل انتخاب الرئيس؟
الصلب بعينه ومن دون قيامة بالتأكيد… أليس كذلك ايها السيد المسيح؟

المصدر:
النهار

خبر عاجل