#adsense

30 حقيبة و4 سيادات

حجم الخط

30 حقيبة و4 سيادات

صباح الخميس 12/6/2008 كان الحدث المصور الاهم بالنسبة الى "النهار" اسعار الوقود الجديدة على مضخة بنزين. الهم السياسي كان شيئاً آخر: ايوب السنيورة، المعروف ايضا برئيس الوزراء المكلف، يصغي الى "زعماء" الكتل وأركان الوطن، حول ما يقبلون من حقائب "سيادية" وما يرفضون من حقائب "خدماتية". واياك ان تفهم من المصطلح الاخير، انها خدمة للناس أو الشأن العام، انها، بكل عين بيضاء خدمة الازلام وصناديق الاقتراع. ولست أدري لماذا التمسك بالغرف السرية في بلد يحذّر فيه نقيب اصحاب الافران من ان ربطة الخبز امام حلين: اما خفض عدد الارغفة واما خفض زنة الرغيف. ورحم الله توفيق يوسف عواد رائد الرواية اللبنانية، الذي ترك لنا مؤلفاً بهذا العنوان عن المجاعة التي عاشها اجدادنا ايام الجراد الاول، الجراد العابر غير المقيم.

خلال مرحلة تحويل الوطن حقيبتين، "سيادية" في بلد تُصنع مصالحته في قطر، وخدماتية في بلد يعز فيه الرغيف، كان العالم أجمع، من الصين الى مصر، ومن تونس الى بوليفيا، يبحث في الازمات الضاربة حياة البشرية: القمح وسائر الحبوب، الحديد وسائر المعادن، النفط وسائر سبل الطاقة، المياه وتحديات البقاء، في عالم يتناسل كالفئران ويتخامل كالذباب.

فيما قيل للبنانيين الذين يعيش نصفهم على اقتصاد "المنقوشة" ان لا مفر لهم من ضريبة هذه الازمة الكونية، كان قادتهم صامدين في خنادق الحقائب. وبدا البحث، بكل علانية، كأنه عن حقائب تحمل صاحبها، لا حقيبة يحملها الكفي المؤهل. حقيبة تسعف الرجل والحزب والمنطقة، لا رجل يسعف الدولة والوطن وعموم الشعب المقهور.
الحسنة الوحيدة في كل هذا الفجور السياسي كان دقة التوصيف. وهكذا سميت المسؤوليات "سلالا" في موسم القطاف وعرس المشاركة واكتمال العقد الاجتماعي!

اتعزّى في مثل هذه الحالات من مشاهد الكروم السائبة، والسلال الغاصبة، بقصائد يونس الأبن وشعره الجميل، ما غُنيَّ منه، وما بقي غناء دون حناجر.
بحشت في السلال السيادية والخدماتية عن امانة رشيد كرامي الذي كان يصَّر على الاحتفاظ بالمالية لرئيس الوزراء. لماذا رئيس الوزراء؟ عندما وضعت روما اول تنظيم قانوني لأهل هذه الارض الذين انقسموا قسمين، اهرامات أو مغاور، اسياداً أو عبيداً بدأت ذلك بأمرين: "الكانتور" أو الرقيب، من أجل الناس لا عليهم ولا على حرياتهم ولا على صدورهم، لأنه تعالى وحده "يعلم ما في الصدور". أما الأمر الثاني فكان الـ"فيتو"، ومعناها الحرفي "اني اعترض".

"الفيتو"، أو حق الاعتراض الذي حوله المجتمع الدولي المعاصر "حق النقض" ضد مصائر البسطاء وحماية لاغتصاب الحريات والاوطان والارض، كان يعني،
كما نقل يومها من روما الى مدرسة بيروت الحقوقية، الاعتراض من أجل الناس، لا من أجل الرجل ولا من أجل اتباعه. ذلك ان من شأن الاعتراض، بسبب طبيعته الشاملة، ان يتحول بدوره سابقة قانونية مساوية للنص الدستوري، يمكن اللجوء اليها ليتأكد الحق العام لا الشهوة الفردية. بذلك يتحدد الفرق في الدول، ما بين تولي المسؤولية ورعاية حقوق الناس، وما بين الاستيلاء على السلطة وانتعال القوانين".

طوال اسابيع الآلام الماضية انتظر اللبنانيون ان يرتقي النقاش من الحقيبة الى الكفاية. من التبعية الى الاختصاص. تمنيت، مثلا، ان يطرح فريق ما، عودة جهاد ازعور الى وزارة المال. او دميانوس قطار، مكافأة على ما ثبت وحماية لما يأتي. بحثت عن اسم طارق متري الذي تولى الخارجية والثقافة بكفاية واحدة في اسوأ الظروف واحلك الايام وزمن التهم المضحكة والسقيمة. بحثت عن اسم غسان سلامة الذي يعتبره جميع العرب وزير ثقافتهم ورمز علومهم.

قلت مرة للرئيس السابق إميل لحود، يوم كان لا يزال يتحمل المصارحة والصدق، لا يجوز ان تأتي بصهرك الياس المر وزيراً للداخلية لان الناس لا ترحم، فكان الجواب: "اعط الرجل فرصة وسوف ترى". وقد رأينا الياس المرَّ، جميعاً، في الداخلية والدفاع، رجل كفايات ادارية لا يمكن أحداً ان ينكرها. فما هي أسباب استبعاده الآن؟ وبموجب أي خطأ أو حساب؟ وأي بلد هو هذا البلد الذي تحدد فيه المعارضة حقائبها وحقائب الاكثرية وتنزع من رئيس الجمهورية الحق المنقوص النقيص الذي بقي له من حرب التهافت والتناتش وتوزيع الانعام؟

لا أحد يتنازل عن شيء، والجميع يريدون السطو على حقائب الرئيس ميشال سليمان وابعاد ثقاته. اذا كانت المعارضة اقلية وتتصرف بهذا الاملاء، فكيف اذا جرَّت اليها غداً المزيدمن الجماهير؟ أي نظام سوف يطبق؟ أي دستور سوف يحكم؟ كيف يقوم بلد على خط السلب وحده، اي نغمة "أني اعترض"؟ بماذا تقبل اذن؟ كيف ينهض بلد عليل لا يجد كيفما التفت سوى املاء النقض؟ وكيف يكون للمعارضة مطلب واحد لا يتغير، هو الحق في نقض قرارات الاكثرية؟ والمطالبون بالسيادات وحقوق الضعفاء وانصاف العمال في بلد ينخفض عدد الارغفة او وزنها، لماذا لا يرون سيادة في وزارة الزراعة ووزارة الشؤون ووزارة التربية؟ ولماذا ترفض الآن الطاقة؟ "أليست هي الوزارة التي ابعد عنها جورج افرام في الليل على عجل لكي تعطى لايلي حبيقة؟ ألم يكن جورج افرام أحد بناة، او حماة، بقايا الصناعة اللبنانية، وأحد رموز الانجاز الماروني العامل والورع والبار، غير المنحرف أو المنجرف الى خواء الشره السياسي وفراغه وثرثرته؟

لماذا لم يعد أحد يريد هذا السراج المقيّد زوراً في خانة الكهرباء، هذا العتم المخيَّم على البصر وعلى النفوس؟ يصبح مصطلح السيادة مضحكا عندما لا يبقى مكان للرتق في الثوب الممزق. أو عندما تصبح السيادة تقاسماً لما تبقى. وهو ضحك الميلودراما في اي حال، عندما لا يعود في امكان المشاهد ان يميز في طبيعة دموعه.

المصدر:
النهار

خبر عاجل