#adsense

لبنان الممنوع

حجم الخط

لبنان الممنوع…

بعد انقضاء أقل من شهر على الانتخاب "الرسمي" لرئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان في مجلس النواب، يتابع الرئيس رسم ملامح صورته الشخصية: بسيط، هادئ، وديع، أليف مع ابناء قريته، "لبناني" في تقاليده الريفية الطيبة (تقبيل يد الوالدة، زيارة مدفن الوالد والبيت العائلي في مسقط رأسه، عمادة حفيده)…

… وملامح صورته السياسية: إن المدرسة الدستورية التي ورثتها الشهابية (اختياره الدستوري ناظم الخوري مستشاراً سياسياً له) سواء في انتسابها الى الميثاق الوطني قاعدة للعيش المشترك (اطلاق مشروع القمة الروحية الاسلامية – المسيحية كأول خطوة رئاسية) او اخذها بمارونية منفتحة، غير متوترة او صدامية او ميليشياوية، او رؤيتها لانتماء لبناني متوازن الى العالمين العربي والغربي، يجمع بين الاستقلال والعلاقات الندّية بين الدول، الى جانب التضامن والتآزر بين الاشقاء.

ولعل تحدّر الرئيس من بلدة عمشيت (وقضاء جبيل نموذج للعيش المشترك) وانتماءه الى السلك العسكري ما يكوّنان هذه الشخصية المسيحية القادرة على التواصل والمؤمنة بالدولة مظلة ومرجعية وحيدة.
… وهي التي يستهدفها معرقلو تشكيل الحكومة اليوم.

ففي ظاهر الاشياء ان الامر امر حقائب. وفي باطنها، رماة يستهدفون الرئاسة موقعاً وسلطة وهيبة وفلسفة كيان وتوازنات داخلية وخارجية.
فالمراد عند الممسكين بعصى التعطيل ان يستهل رئيس الجمهورية عهده ضعيفا، غير مُستجاب له، متعثرا، فاقداً الاندفاعة العربية والدولية، مطعونا في تمثيله المسيحي كمرجعية اولى، مطوقا بالشروط، اسير الكتل السياسية الضخمة، عديم القدرة على تشكيل بؤرة استقطاب تتجاوز ثنائية 8 و14 آذار.

المراد رئاسة هزيلة تعجز، حتى في مستهل عهدها، عن رفع البطاقة الحمراء في وجه اي لاعب مشاغب يحاول ان يسطو على الدولة، او يفقدها الادوات التنفيذية لرؤيتها السياسية، حتى تورق الدويلات وتزهر وتفيء على ابناء الطوائف المتخندقة.
المراد رئاسة تستسلم سلفاً أمام الخطوط المرسومة: لا بحث بمستقبل سلاح "حزب الله" ولو في اطار حواري هادئ، لا إنهاء لظاهرة الانفلاش الفلسطيني المسلح خارج المخيمات، لا مناصرة لمشروع تعزيز قدرات الجيش، لا "استراتيجية دفاعية" بل "استراتيجية تحرير"، لا إعلاء لسلطة الدولة على سلطة الامر الواقع، لا إنهاء للمربعات الامنية، لا وأد لاحلام اللامركزية التقسيمية…

نعرف ان الصراعات الاقليمية ذات البعد الدولي ستجعل الرئيس، اياً تكن رغائبه الحسنة، مديرا للازمة، لا صاحب حل لها.
لكن ثمة فارقا بين ادارة للازمة مستسلمة، متفرجة، قانعة بعجزها، وادارة للازمة تسعى لتوفير الارضية الداخلية للخروج منها ساعة تحين الظروف الاقليمية الملائمة.
لكن يبدو انه، حتى هذه الادارة النشطة، الخلاقة، المبتكرة للحد الادنى من الحلول، صاحبة المبادرات، ما زالت ممنوعة من جانب اهل الربط والحل.

• • •

الرئيس سليمان صورة مصغرة عن لبنان الماضي. لبنان ما قبل التصدعات والشقوق والحروب الداخلية والفحيح المذهبي. لبنان الهادئ، المتآلف داخليا، صاحب الرئاسة التوحيدية، المندرج في عالمه العربي من دون عقد مَرَضية او استتباع.
… وهذا هو اللبنان الممنوع أن يولد من جديد.

المصدر:
النهار

خبر عاجل