بين الاندفاع الدولي لحل مسألة المزارع و"تحرّك" عملية تبادل الأسرى..
إستحقاق لبناني مهم في الأفق
أسئلة شيعية كثيرة: متى تنعم الطائفة بوطنها؟
لا شك ان ثمة اندفاعاً دولياً ملحوظاً في الآونة الأخيرة باتجاه حل مسألة مزارع شبعا أي إنهاء الاحتلال الإسرائيلي لهذه المنطقة اللبنانية.
خلال تقديم السفير اللبناني في واشنطن أوراق اعتماده الى الرئيس الأميركي جورج بوش قبل مدة، أعلن الأخير اهتمامه بـ "معالجة" هذا الموضوع. وخلال القمة بين بوش والرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي في باريس السبت الماضي، أثار الثاني بموافقة الأول القضية نفسها. وأول من أمس، أثناء لقاءاتها في بيروت، أبدت الوزيرة كوندوليزا رايس نوعاً من "الالتزام" الأميركي بالعمل على إخراج إسرائيل من المزارع، لا بل أكدت ان هذا الهدف أولويّة أميركية في المنطقة.
يبدو إذاً ان العمل الدولي لتحقيق الانسحاب الإسرائيلي من المزارع موضوع على "نار حامية". وفي الأصل، فان هذا الانسحاب "مؤطر" ضمن القرار الدولي 1701 بناء على برنامج النقاط السبع الذي وضعته حكومة الرئيس فؤاد السنيورة خلال حرب تموز 2006.
المزارع توازياً مع المفاوضات السورية ـ الإسرائيلية
ثمة اعتبارات عديدة وراء ذلك الاندفاع الدولي. فهناك اعتبار أشارت اليه رايس في بيروت عندما تحدثت عن ضرورة ان يكون السلام في الشرق الأوسط شاملاً، في موازاة تأكيدها ان المسار الفلسطيني ـ الإسرائيلي اساس السلام الشامل.
والاعتبار الآخر يتعلق بالمفاوضات السورية ـ الإسرائيلية التي "توقعت" رايس ان تنتقل من صيغتها غير المباشرة حالياً الى صيغة مباشرة في وقت قريب. وإذ رأت فيها الوزيرة الأميركية مفاوضات تقع في اطار "روحية" ما اتفق عليه في أنابوليس الخريف الماضي، كانت واضحة في "إفتراض" ان هذه المفاوضات توجد مناخاً مؤاتياً لتحريك مسألة الانسحاب الإسرائيلي من المزارع. على ان كوندوليزا رايس التي تعتقد ان الانسحاب الإسرائيلي من مزارع شبعا يمكن أن يسبق نتائج المفاوضات السورية ـ الإسرائيلية بل يمكن أن "تُسحب" المزارع من هذه المفاوضات أصلاً، شددت خلال لقاءاتها على ان تحقيق ذلك الانسحاب يجب ان يتم. وفهم منها ان الحل يمكن ان يكون على مرحلتين، الأولى نقل المزارع من الاحتلال الإسرائيلي الى عهدة الأمم المتحدة، والثانية إعادتها الى السيادة اللبنانية. وإعادة المزارع الى لبنان بعد "مرورها" بالعهدة الدولية يتعلق بترسيم الحدود اللبنانية ـ السورية. هذا مع العلم ان كلام رايس يوحي بما هو "أسرع". فهي لفتت محدثيها الى ان الادارة الأميركية طلبت من الأمين العام للأمم المتحدة بأن كي مون أن ينجز الخبراءالدوليون المكلفون تحديد المزارع مهمتهم، ما يعني إمكان نقل مزارع شبعا الى لبنان خلال أمد قصير.
المجتمع الدولي: إقفال الصراع في الجنوب دعماً للبنان
أما الاعتبار الثالث والأهم، فهو ان الولايات المتحدة، ومعها فرنسا والمجتمع الدولي، تريد ويريدون تقديم أعلى درجة من الدعم الى عهد الرئيس ميشال سليمان وإلى الحكومة اللبنانية الآتية.
ذلك انه ليس خافياً على الاطلاق ان إنهاء الاحتلال الإسرائيلي لمزارع شبعا ـ وتلال كفرشوبا ـ يؤدي الى إقفال "الصراع اللبناني ـ الإسرائيلي" في الجنوب، خاصة اذا كان ملف الأسرى اللبنانيين في السجون الإسرائيلية في طريقه الى ان يقفل هو ايضاً بعملية التبادل المعلنة بين إسرائيل و"حزب الله"، وهي العملية التي تسير بالتوازي مع المفاوضات السورية ـ الإسرائيلية.
إن إقفال الصراع في الجنوب بملفَّيه، المزارع والأسرى، يمثل دعماً سياسياً كبيراً للبنان في عهده الرئاسي الجديد ومع حكومته العتيدة. عندئذ يستطيع الحوار اللبناني المنتظر برئاسة الرئيس سليمان ان يذهب مباشرة الى العنوان المركزي: الاستراتيجية الدفاعية للدولة. وبكلام اخر، يفترض ان المقاومة ـ وسلاحها ـ التي هي "نتيجة" للاحتلال، تفقد مبرر استمرارها بوصفها "مقاومة" لتصبح عاملاً مساعداً ضمن الاستراتيجية الدفاعية للدولة.
إنهاء السلاح بإعادة الحقوق الوطنية
غني عن القول إن الولايات المتحدة تبدي اهتماماً بـ"السلام" في الشرق الأوسط لحسابات استراتيجية في هذه المنطقة، وإن في المفاوضات السورية ـ الإسرائيلية غير المباشرة الآن والمباشرة قريباً مؤشرات عدة حول وقائع ومعطيات اقليمية "متحركة". بيد ان ما لا بد من تسجيله هو أهمية إنتقال أميركا ـ والمجتمع الدولي ـ من الحديث عن "نزع سلاح حزب الله" الى إزالة أسباب هذا السلاح سياسياً ـ وبالتوازي مع دخول سوريا في مفاوضات مع إسرائيل ـ أي عبر إعادة حقوق وطنية الى لبنان، هي حقوق كانت مقاومة "حزب الله" تعتبرها أهدافاً، وتقول في بعض الأحيان ان هذه الأهداف "أخيرة". وبمعنى ثان، ان المسألة وإن كانت تؤدي الى نزع مبررات عمل مقاوم، فهي مطروحة هذه المرة في صيغة إعادة حقوق وطنية لبنانية.
"حزب الله" والمقاومة "الدائمة"
إذاً، إذا كانت قناعة قسم أساسي من اللبنانيين إن المقاومة كان يجب أن تتوقف في العام 2000 لتصّب رافداً في الدولة، وإذا كانت قناعة معظم اللبنانيين ان المقاومة لم تعد "موضوعية" بالقرار 1701 في العام 2006، فان إنهاء الاحتلال الإسرائيلي لمزارع شبعا وتحرير الأسرى من سجون إسرائيل يُفترض بتحققهما ـ أي عندما يتحققان ـ أن يشكلا نهاية لـ "مرحلة المقاومة".
غير أن "حزب الله" الذي "لمح" في الفترة السابقة إندفاعاً دولياً باتجاه حل مسألة المزارع، بادر إلى إعتبار ان وضع المزارع في عهدة الأمم المتحدة ولو مرحلياً أو لفترة قصيرة "لا يحل" وضع المزارع، تزامناً مع إندفاعه هو إلى إتمام صفقة التبادل مع إسرائيل.
بطبيعة الحال، لا يمكن الحكم بشكل نهائي على هذا الموقف، بما أن الإنجازَين لم يتحققا بعد. لكن بالتأكيد ان إستقبال "حزب الله" هكذا إستحقاق "عكس السير" يطرح مشكلات عديدة أبرزها مشكلة شيعية.
بداية وبالتعريف، إن "المقاومة" إذا كانت مرتبطة بـ "مسألة وطنية" فهي لا يمكن أن تكون "مقاومة دائمة" إذ تنتهي بالتحرير. ومن الواضح أن "حزب الله" في خطابه الثقافي والسياسي يُعلن نفسه "مقاومة دائمة". ومن أجل أن تكون "دائمة" ربطها بـ "ولاية الفقيه". وهكذا تكون ـ في إعتقاده ـ دائمة في لبنان بعنوان "دفاعيّ" أو غيره، وبأهداف أبعد من لبنان.
لا سياق لـ "مظلوميات"
أسئلة كثيرة ستكون ـ في هذه الحالة ـ مطروحة شيعياً، من الشيعة بمن فيهم شرائح دعمت مقاومة الحزب.
سؤال أول: بعد ان تحررت الأرض وحُرر الأسرى، وفُتحت أبواب الدولة لتندرج الفاعلية المقاومة في إطار الاستراتيجية الدفاعية، هل من واجب الشيعة ـ بالمقاومة "الدائمة" ـ أن يحملوا الدنيا على أكتافهم وفوق ظهورهم أو كما يقال أن يحملوا السلّم بالعرض؟
سؤال ثان: كان الشيعة متخصصين أو مختصين في عقود سابقة بـ"مظلوميتين"، مظلومية "الظلم المذهبي" ومظلومية "الحرمان التاريخي". وهاتان "المظلوميتان" إنتهتا مع الزمن فلا ظلم للشيعي لكونه شيعياً في المنطقة ولبنان، ولا حرمان شيعياً أو لا حرمان شيعياً "خاصاً". وقد وصل الشيعة في لبنان باتفاق الطائف إلى حقوق "حدودها" حقوق الشركاء الآخرين. فلماذا "تخلق" للشيعة "مظلومية" جديدة بدفعهم إلى تحمل ما فوق طاقتهم أو بدفعم إلى مسؤولية تبدو شبيهة بتقويم العالم كله؟
سؤال ثالث: إذا كان الشيعة حصّلوا حقوقهم وتحررت الأرض اللبنانية التي ينتمون إليها، فمتى ينعم الشيعة بوطنهم؟
"العدالة" والإمام علي
سؤال رابع: في "الوجدان" الشيعي بل في "ثقافة" الشيعة مكان كبير لمفهوم "العدالة". فاذا كان الشيعة شكوا في مراحل معينة من تجاوز طوائف في لبنان لـ "حدودها"، فأين العدالة في أن يُحمِّل الشيعة فوق ما يحتملون وأن يحمِّلوا هم الطوائف الأخرى ما لا طاقة لها به والبلد كله ايضاً، وأن يُدفعوا الى تغطية سلاح لم تعد له وظيفة تحريرية وصار عنواناً لـ "فائض قوة" في الداخل؟
وسؤال خامس: ألا ينبغي تذكّر "فلسفة" الإمام علي بن أبي طالب عليه الصلاة والسلام الذي فضّل أن يكون عبدَ الله المظلوم على أن يكون عبدَه الظالم. وهي فلسفة مكرسة شيعياً وإسلامياً؟ أي إلى متى يتم دفع الشيعة باتجاه تجاوز ما تحقق بما يؤدي إلى كسرهم في خضمٍّ لا ناقة لهم ولا جمل فيه؟
قد يرى البعض أن هذا النقاش ـ أي هذه الأسئلة ـ مبكر. لكنه آت قريباً. ولأنه كذلك، ولأن التمهيد لحوار عقلاني هادىء مطلوب وضروري ومفيد، كان لا بد من "التوقع" منذ الآن، وعلى تقاطع تطورات متسارعة.