حركة التفافية على خطاب القسم وعلى الاستعادة الدبلوماسية لمزارع شبعا
عون في دور "الوصي على الرئاسة"
يستهجن العماد ميشال عون الاتهام الموجه اليه بأنه يعمل على "تكبيل" رئاسة الجمهورية.
حجّته وراء هذا الاستهجان أنه كان، وما زال، مطالباً شرساً بصلاحيات تنفيذية خالصة كانت لرئيس الجمهورية قبل الطائف. لكن تذكيره بهذه الحجّة لا يلغي حقيقة أن العماد عون، المطالب قبل شهرين، بادخال ما ينص على حصة حكومية وافرة لرئيس الجمهورية إلى صلب الدستور اللبناني، قد دفع بالأمور إبان اتفاق الدوحة الى حصر حصة رئيس الجمهورية بثلاثة وزراء، ثم انصب جلّ اهتمامه في مرحلة تشكيل الحكومة على وضع فيتوات على الأسماء والحقائب التي تعود إلى حصة رئيس الجمهورية، في ما من شأنه أن يكرّس "مؤسسة" فوق "المؤسسات"، وفوق رئاسة الجمهورية، "مؤسسة" يبتدعها العماد ميشال عون لنفسه، فيملي وينهي على أساس أنه "الوصي على الرئاسة". معادلته هي: ما دامت الصلاحيات يصعب اعادتها لرئيس الجمهورية، كون الأخير شخصاً غير العماد ميشال عون، فينبغي نقل ما بقي لدى رئيس الجمهورية من صلاحيات بعد الطائف، الى "الوصي على الرئاسة"، الذي هو تحديداً ميشال عون، لا أحد سواه.
التكبيل يقابله الاستيعاب
فالعماد ميشال عون قرّر في نهاية العام الماضي أن يأخذ بحرفية ما طرحه وزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنير على سبيل التقدير والمجاملة.
ناشده كوشنير يومها بأن يكون "صانع ملوك لا ملك"، فإذ بالعماد ميشال عون يكتم غيظه ثم يحوّل هذه المجاملة إلى "صكّ" يعطيه دور "المرشد" لرئاسة الجمهورية، ما دام يصف نفسه "بالبطريرك السياسي" للمسيحيين.
تندرج "الوصاية على الرئاسة" التي يقوم بها عون في اطار حملة الالتفاف على خطاب القسم، وتطويق الحراك السياسي لرئيس الجمهورية. وهي حملة كان قد أطلقها السيد حسن نصر الله في أول أيام العهد الرئاسي الجديد. كلمة السرّ في خطاب القسم: "كانت" المقاومة. و"كانت" موضع اجماع. جاء الرد من نصر الله: المقاومة دائمة، ولا حاجة لها لنيل الإجماع.
لكن ما لم يصرّح السيد نصر الله به جهاراً، هو أن رئاسة الجمهورية في مرحلة "ما بعد الفراغ" قد صارت بحاجة إلى "تقييد"، وأن العماد ميشال عون خير من يقوم بعملية "التقييد" هذه، مرة اذ يتبنى وصفه بـ"صانع الملوك"، ومرة اذ يصنف تياره "حزباً للرئيس"، رغماً عن الرئيس.
بيد أن منطق "الوصاية على الرئاسة"، أو منطق التكبيل، ما زال يجابه بروح "استيعابية" من طرف الرئيس ميشال سليمان، الذي من مصلحته أن يكون كل المسيحيين من "حزب الرئيس".
السؤال الذي يطرح نفسه عندها: كم تدوم مرحلة "امتناع" العماد عون عن التعرّض مباشرة للرئيس العماد ميشال سليمان؟ واهم من يعتقد أنه بمستطاع العماد عون الامتناع طويلاً.
فإذا كانت الحالة العونية ما زالت تحرص على بذل كل عنف لفظي بوجه الأركان المسيحيين لـ14 آذار، غير متورعة عن نكء جراحات الحرب في منطقة الشمال، وإذا كانت قد أدمنت التشنج الطائفي المسيحي ـ الإسلامي منذ سنوات، خلافاً لتقاليد العمل العوني "اللاطائفي" في التسعينات، فإن هذه الحالة تتخوف أكثر ما تتخوف من المنطق "الاستيعابي" للعماد ميشال سليمان. هذا المنطق الاستيعابي والهادئ والوقور يفقدها ذاتها، ويسلبها جمهورها وامتدادها شيئاً بعد شيء.
المزايدة ضد التوطين
لأجل ذلك، يعيد عون تلميع سلاح "مكافحة التوطين" ليعكّز عليه أكثر مما قام به العماد إميل لحود على امتداد تسع سنوات. هو يلجأ الى المزايدة اللفظية في هذا الإطار، لا سيما بعد خروجه بالأمس من اجتماع كتلته، وبازاء كل من رئيس الجمهورية والبطريرك صفير. لكن هل من الميسور المزايدة على صاحب الانتصار في نهر البارد انطلاقاً من شعار "مكافحة التوطين"؟
في هذه اللحظة بالذات، يلجأ العماد ميشال عون الى هذا الشعار، لقطع الطريق أمام معادلة "الانسحاب من مزارع شبعا في مقابل بدء المناقشة الجدية لمسألة سلاح المقاومة"، أي المعادلة التي أوحت بها الزيارة المفاجئة والخاطفة لوزيرة الخارجية الأميركية إلى بيروت، والتي يمكن أن ترفد العهد الجديد بدفعة حيوية أساسية: عودة مزارع شبعا.
لقد جاءت زيارة وزيرة الخارجية الأميركية ليس كمجرد "جرعة دعم" للفريق الأكثري في لبنان، وليس أبداً "كرسالة وداع"، وإنما كتجذير لما كنا شهدناه في جلسة انتخاب رئيس الجمهورية من حضور دولي كثيف في قبالة الحضور الإيراني ـ السوري. مغزى الزيارة بسيط وواضح: لستم وحدكم. لست وحدكم في هذه المرحلة التي يحكى فيها عن مساع جدية لتثمير تسوية سورية ـ اسرائيلية. لستم وحدكم، ومن السوية بمكان أن تعاد مزارع شبعا قبل الجولان. عودة مزارع شبعا الى لبنان تزيد من احتمالات تسوية حقيقية بشأن الجولان.
تستشعر المعارضة بأن ثمة ما يحضّر جدياً لافقادها ورقة مزارع شبعا، وهو ما يقلق سوريا بالدرجة الأولى، لأن انسحاباً اسرائيلياً من المزارع من شأنه أن يرفع من سقف الشروط الاسرائيلية لاتمام الصفقة الكبرى مع سوريا، وهي صفقة دونها الكثير من المصاعب، لكن ما عاد يسهل على سوريا التراجع عن المناخ الجديد الذي أرسته المفاوضات التي ترعاها تركيا.
ما عاد التخفف من مساعي التسوية بسهولة ما حدث بعيد فشل مفاوضات شيبرز تاون بين باراك والشرع، أو بعيد فشل قمة جنيف بين الرئيسين بيل كلينتون وحافظ الأسد. إن أي تراجع عن المسار التفاوضي الحالي من شأنه أن يعيد الموقف الفرنسي من دائرة الانفتاح الى دائرة التشدّد، بلمحة برق، بل حتى العلاقات التركية السورية ستصاب بالضرر، فيما لو كانت الكلمة الأخيرة في أمر التسوية الاسرائيلية ـ السورية تحتفظ بها طهران.
وعند هذه العتبة أيضاً، فإن الحاجة الى العماد عون غير قليلة في اطار "المحور السوري ـ الايراني". فـ"الوصي على الرئاسة"، هو أيضاً "القائم بالمحور"، ولم يكذّب الجنرال البرتقالي خبراً: ربط شرعية المقاومة بمسألة التوطين، لا بمشكلة حدودية كمزارع شبعا وتلال كفرشوبا.