تحذير ابو الغيط من تقسيم لبنان والمنطقة
لم يلق اذاناً وقلوباً مصغية
اذا كانت المرجعيات الدينية المسيحية، على اختلاف طوائفها، تعتبر ان انتخاب العماد ميشال سليمان رئيسا للجمهورية بعد طول معاناة وتعطيل وخسائر كبيرة دفع ثمنها كل الوطن، هو المفصل الاساسي الذي اعاد التوازن الوطني للمؤسسات الثلاث السيادية، رئاسة الجمهورية، ورئاسة مجلس النواب، ورئاسة مجلس الوزراء، كما اعاد الحق المسيحي الى اصحابه، بعد سنوات طويلة من الفراغ والضياع والتبعية، واذا كانت الاحزاب ذات الطابع المسيحي، مثل حزب القوات اللبنانية، واحزاب الكتائب، والاحرار، وحتى الكتلة الوطنية، والاحزاب الارمنية جميعها ايدّت ودعمت وراهنت على عهد الرئيس سليمان، وتوسمت فيه خيراً للمسيحيين خصوصاً واللبنانيين عموماً، واذا كان العديد من الشخصيات المسيحية المستقلة، سارع الى مباركة انتخاب سليمان، ووضع خبرته وقدراته في تصرفه من اجل مصلحة لبنان، فكيف يمكن اذن للتيار الوطني الحر بعد هذا الاجماع المسيحي على الرئيس ميشال سليمان، ان يستمر في المناورة والمداورة والمكابرة، وتوزيع الادوار مع حلفائه في تكتل 8 اذار، بقصد «تشليح» رئيس الجمهورية المسيحي الماروني حقيبة «سيادية» هو في امسّ الحاجة اليها، في هذه الايام الصعبة المصيرية التي على ما يبدو، وعلى ما اشار اليه وزير خارجية مصر، من ان لبنان، وبعده معظم دول المنطقة مهددة بخطر التقسيم الطائفي، ولذلك فان ما يدور اليوم على الساحة اللبنانية من عراقيل وتجاذبات وتوتيرات امنية، ومن خلق صعوبات في وجه المؤسسات، الدستورية الوطنية، التي تحاول عبثا ان تأخذ دورها الطبيعي، وتمسك بزمام الامور، هو حلقة من كلّ ما يحضّر لهذه المنطقة من مشاريع تفتيتية.
بعض الهمس، الذي اصبح مشاعاً يتداوله الناس، ان النائب العماد ميشال عون، يرفع دائما مهره، لمعرفته المسبقة بعدم قدرة المعنيين بالامر على دفع قيمة هذا المهر، وبالتالي يصبح هو الضحية بنظر الناس، وتصبح قوى 14 اذار ومعها رئيس الحكومة المكلف، وربما رئيس الجمهورية، هم الجلادون الذين يأكلون حقوقه وحقوق من يؤيده.
هذا الاسلوب، مورس في اكثر من مناسبة، وكان له مردود جيد على الصعيد الشعبي، فلماذا اذن لا يمارس اليوم، والبلاد على ابواب انتخابات نيابية، «والدق محشور» والشعبية تنزلق كما الماء من بين الاصابع.
اذا كان هذا التوصيف غير دقيق او غير صحيح، فلماذا اذن لا يسارع التيار الوطني الحر، وهو يعتبر ذاته امّ الصبي المسيحي، الى تسهيل تشكيل اول حكومة في عهد يزعم التيار انه كان اول المنادين به واول الداعمين، بدلا من طرح مطالب، يعرف مسبقا انها غير معقولة ولا مقبولة، وتضع رئيس الجمهورية امام خيارين، كلاهما صعب، اما الاصرار على الامساك بحقيبتي الامن، وهما الدفاع والداخلية، ليحمي عهده والوطن، واما الرضوخ لمطالب التيار، ومن هم وراء التيار وامامه، وعندها ينتهي عهد الرئيس سليمان قبل ان يبدأ، وهذا الامر يرفضه المسيحيون واللبنانيون ويرون فيه نهاية الدولة والكيان.
بعد الهجوم على البطريرك صفير بالامس، وعرقلة انطلاق العهد الجديد، ترتسم علامات استفهام كبيرة حول الخطة المرسومة لمستقبل لبنان، خصوصا بعد استمرار التوتير الامني، وتسميم الاجواء، وسقوط الضحايا، وهناك سؤال يتداوله معظم المسيحيين، مفاده، هل ان التيار الوطني بقيادته وقاعدته يعي تماما الاخطار المحدقة بلبنان وبالمسيحيين، ليأخذ دائما هذه المواقف التصعيدية غير المريحة وغير المشجعة، والتي تتعارض تماما مع المصلحة المسيحية، حاليا ومستقبلا، ام ان تحالفاته السياسية، فرضت عليه نمطا معينا في مقاربة الامور، وانسياقا لا اراديا في خطة شق المسيحيين وضرب وحدتهم، وتأجيج احقادهم وصراعاتهم بدلا من ان يكون اطفائية وحاضنا ومساعدا على لمّ الشمل، ورأس حربة في مشروع بناء الدولة والمؤسسات واخذ الخيارات السلمية الشجاعة لبناء المجتمع المدني المنفتح المتعافي، البعيد عن تعسّف الاصوليات وظلاميتها وسعيها لالغاء كل شيء آخر.
النار تشتعل في اطراف لبنان، ولهيبها يلفح العاصمة مجددا، ومع ذلك نرى بعض المرتاحين الى اوضاعهم، وبعض المصابين بغيبوبة «طوعية» ينظّرون، ويزايدون، ويتهمون، بالقوة ذاتها، والحماس عينه، والوقاحة نفسها التي يعرقلون فيها انطلاقة قيام الدولة.
