من غير المسموح المس بصيغة العيش المشترك
…. قد يكون ميشال عون غير مدرك بتاتاً لأبعاد ما يطالب به من تعديلات على صلاحيات رئيس الحكومة اللبنانية، أو يكون على إدراك تام لما يعنيه ويهدف إليه، وفي كلا الحالين يجر البلاد الى مخاطر تهديد العيش المشترك، وفي الأساس، نحن لا نستغرب ذلك على الاطلاق، إذ انه هو الذي رفض وثيقة الوفاق الوطني التي وقّعت في الطائف، وشن بعدها على البلاد ما وصفه في ذلك الوقت بحرب التحرير.
…. ميشال عون في هذا المعنى، والذي رفض "الطائف" في حينه، يحاول اليوم نسف أسس هذه الاتفاقية الوفاقية، بما يشبه تماماً دفع البلاد الى الوراء، الى أيام الحروب العبثية التي دمرت البلاد وقتلت العباد وأحرقت الأخضر واليابس.
… المسألة هنا لا تتعلق بآلية عمل السلطات بقدر ما انها تمس ومباشرة العيش المشترك، بما يؤدي الى تهميش دور السنة المسلمين في البلاد، وهذا أمر يهدد الكيان اللبناني، ويضرب أسس الميثاق الوطني، مع علمنا وتأكيدنا أن هذا الامر لن يبحث حاضراً ولا مستقبلاً، وكل اللبنانيين لن ينساقوا الى البحث في مسألة خطيرة للغاية تهدد مستقبلهم ومستقبل بلادهم.
.. الطرح بحد ذاته لم يأت عبثاً على كل حال، بل أتى في سياق شل البلاد وتعطيل مؤسساتها، وهذا ما نعتبره خطة خبيثة للمعارضة التي على ما يبدو لم تعد تريد حكومة وحدة وطنية انسجاماً مع مصالح خارجية.
.. من تعطيل انتخابات رئاسة الجمهورية، مروراً بخيم الاعتصام، وصولاً الى التوترات الأمنية المفتعلة، مع الإشارة الى محطة اجتماعات الدوحة، والتي استجابت المعارضة ووقعت اتفاقاً بعد أخذ ورد، ومساومات وأثمان، كلها تعكس حقيقة السيناريو الذي تنفذه المعارضة خدمة لأهداف اصبحت معروفة للقاصي والداني، وها هي اليوم تعرقل إعلان تشكيلة حكومة الوحدة الوطنية، وتفتعل عقدة وزارة الدفاع، والغاية هي الهيمنة على هذه الوزارة، وشل قدراتها ومهماتها الأساسية في الدفاع عن البلد وحفظ أمنه.
… ميشال عون في هذا المعنى ذهب الى أكثر مما ينبغي بإثارته موضوع صلاحيات رئيس الحكومة، ليضاف الى الأزمات أزمة كبيرة وخطيرة تتعلق هذه المرة بالعيش المشترك والميثاق الوطني.
… ونحن لا نحصر المسألة فقط برئاسة الحكومة، بل نرفض أساساً المس بصلاحيات رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب والسلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، لان هذه الصلاحيات حددها اتفاق الطائف، وأجمع اللبنانيون على صيانتها ومنع المس بها بصورة أو بأخرى.
ماذا يريد عون وخلفه المعارضة؟
هل المطلوب إلغاء العيش المشترك؟ أم المطلوب هيمنة طائفة، أي طائفة، على الأخرى؟ أم المطلوب إلغاء لبنان الصيغة التعددية الخلاقة والمبدعة؟ أم ان كل المسألة هي عملية لاستمرار التعطيل وشل البلاد حتى تنضج الطبخات الإقليمية والدولية؟
… كل ذلك باعتقادنا صحيح، وما يجري على الارض يثبت ذلك وبالملموس، وما شروط المعارضة الدائمة والمستمرة والمتواصلة إلا خير دليل على ذلك؟
.. في نتيجة الأمر، لا أحد يستطيع مهما علا شأنه المس بصلاحيات رئيس الحكومة، والتي حددها "الطائف"، وهذا موضوع غير قابل للبحث على الاطلاق، وأساساً، فإن جنرال الرابية غير الوفاقي وواجهة العرقلة في البلاد لن يكون باستطاعته نسف الدستور والميثاق الوطني وصيغة لبنان التعددية.