رسالة من السيد المسيح !
لمّا كان الجالس الى يمين الرب يقرأ صحف الامس على الانترنت، وقع نظره على ذلك البيان الذي يتحدث عن "مشروع اللقاء المسيحي الوطني"، فقرأه بمزيد من الذهول وحزن حزنا عظيما مما يجري بين المسيحيين في لبنان وخصوصا الموارنة منهم، وقرر ان يوجه اليهم الكتاب الآتي:
الحق الحق اقول لكم لقد طفح بي الكيل وانا اتابع اخباركم في ذلك الهيكل الذي هو لبنان، وخصوصا بعد ذلك التاريخ المفعم بالمآسي والمعاصي الذي صنعتموه، وكنتم على امتداد محطاته الكثيرة في مواقع الجلادين وفي مواقع الضحايا، في قسوة الفريسيين وفي وداعة القديسين، ولم يبق مسيحي منكم الا واستعبد مسيحيا آخر، وبعض القساة منكم قتلوا وهتكوا وسرقوا وكفروا وباعوا واشتروا. وهو ما يذكرني الآن بدخولي الهيكل وطردي جميع الذين كانوا يبيعون ويشترون فيه، حيث قلبت مناضد الصيارفة ومقاعد باعة الحمام. ولستم الآن مني ولا انا منكم، فأنتم تكشّون الحمام وتطلقون الشعارات والاكاذيب في فضاء السياسة رغم ما جاء في الكتب من ان بيتي الذي يفترض ان يكون بالنسبة اليكم كمسيحيين لبنان الوطن جعلتموه انتم مغارة.
❑ ❑ ❑
والحق الحق اقول لكم، ان بعضكم استعمل ويستعمل اسمي انا المسيح كعصا لقرع طبول حقوق المسيحيين، في تلك الحروب السياسية والانقسامات والنكايات التي تستهدف مسيحيين آخرين من ابنائي اخوتكم، ولكأن هؤلاء لم يقرأوا مثلا انجيل لوقا من بعدي عندما ينقل عني: "لا تُدينوا لئلا تُدانوا. فكما تدينون تُدانون، وبما تكيلون يُكال لكم. لماذا تنظر الى القشة في عين اخيك، ولا تبالي بالخشبة في عينك؟ بل كيف تقول لأخيك: دعني أُخرج القشة من عينك، وها هي الخشبة في عينك انت؟ يا مرائيُّ، اخرج الخشبة من عينك اولا، حتى تبصر جيدا فتخرج القشة من عين اخيك".
❑ ❑ ❑
والحق الحق اقول لكم ان البيان الذي قرأته لتوي ويتحدث عن "توحيد الصف والجهود وتركيز فكر سياسي ونهج مسيحي استنهاضي" ليس في نظر اخوتكم المسيحيين الذين يخاصمونكم وتخاصمونهم، كما في نظر ابي الذي في السماوات، اكثر من قرع مبكر لابواب الانتخابات النيابية، الهدف منه الايحاء ثانية وربما ثالثة وعاشرة، للودعاء والاخيار والمتواضعين في الجبال والدساكر والارياف المسيحية، انكم تملكون من بعدي وبعد تلاميذي، ورغم رأي الكنيسة وبكركي، قبضة بطرس ورمح مار الياس دفاعا عن المسيحيين وحقوقهم، ولكنكم لستم بفاعلين. ولعل هذا ما يذكرني ايضا بانجيل لوقا الذي حمل قولي: "… سيقول لي كثير من الناس في يوم الحساب: يا رب، يا رب، اما باسمك نطقنا بالنبوءات؟ وباسمك طردنا الشياطين؟ وباسمك عملنا العجائب الكثيرة؟ فأقول لهم: "ما عرفتكم مرة. ابتعدوا عني يا اشرار!".
❑ ❑ ❑
والحق الحق اقول لكم ان الحديث عن "تجميع المسيحيين في سياسة وطنية توحيدية جامعة تحافظ على الصيغة والميثاق والعيش المشترك، وتحفظ للمسيحيين دورهم الرائد ووجودهم الفاعل في وطنهم لبنان من ضمن تفاعلهم في محيطهم وانفتاحهم على العالم"، على ما قرأت في البيان المذكور، انما يستوجب فعلا ان تعملوا بوصاياي انا المسيح، لا ان يكون هذا الكلام المنمق تحضيرا لاستجلاب عطف المسيحيين وكسب اصواتهم في الانتخابات وذلك في اطار صراع على الحصص والاحجام مع مسيحيين آخرين قيل عنهم في وقت من الاوقات انهم من السقّايات والحراذين والزواحف وابو بريص، ولكأن المسيحيين في لبنان لم يقرأوا كلامي في انجيل مرقس:
"… من غضب على اخيه استوجب حكم القاضي، ومن قال لاخيه: يا جاهل او يا احمق استوجب نار جهنم"… ثم هناك ايضا من لا يتذكر قولي أنا المسيح: "احبوا اعداءكم وصلّوا لاجل الذين يضطهدونكم، فكيف باخوتكم المسيحيين ومنهم بطاركة وكهنة وخدما في بيوت الله؟".
أولم أعلّمكم ايضا ان "من لطمك على خدك الايمن، فحوّل له الآخر. ومن اراد ان يخاصمك ليأخذ ثوبك فاترك له رداءك ايضا. ومن سخّرك ان تمشي معه ميلا واحدا فامشِ معه ميلين…"؟
فماذا فعلتم بالله عليكم وماذا انتم فاعلون سواء كنتم في فسطاط الرابع عشر من آذار او في فسطاط الثامن منه؟ ومن منكم سيقوم غدا باطعام الجماهير "الجائعة" والمتقاطرة الى جبل ضبيه في 4 تموز المقبل، وليس معكم سوى ارغفة قليلة وسمكتين؟!
❑ ❑ ❑
والحق الحق اقول لكم اننا لم نعد هنا في السماء نفهم شيئا مما نسمع من المسيحيين في لبنان: فما معنى القول مثلا ان "امن المجتمع المسيحي فوق كل اعتبار" عندما يتخبط المسيحيون مقتتلين بدماء بعضهم البعض، او مقتتلين مع شركائهم في الوطن و"العيش المشترك" كما يقال الآن؟
ثم ما معنى ان يصير أمن المجتمع المسيحي مرتبطا ويركن الى "وحدة المسار والمصير"، ونحن في السماء لا ننسى ما يقال الآن او قبل الف عام؟!
والحق الحق اقول لكم انني انا المسيح شبعت كلاما وسئمت شعارات تتحدث عن المسيحيين وحقوق المسيحيين في لبنان.
واذا كان لي ان اختم رسالتي اليكم يا ابنائي المسيحيين في لبنان، فانني اكرر على مسامعكم نبوءة أشعيا كما وردت في انجيل مرقس: "مهما سمعتم لا تفهمون، ومهما نظرتم لا تبصرون.
لان هذا الشعب تحجّر قلبه، فسدوا آذانهم واغمضوا عيونهم، لئلا يبصروا بعيونهم ويسمعوا بآذانهم".
ودعوني في الختام اكرر على مسامعكم:
طوبى لكم مساكين، محزونين، ودعاء، جياعا، عطاشا، انقياء القلوب، مضطهدين، لان لكم ملكوت السماوات، وإن كان لغيركم كما هو معلوم: الجاه والمجد والمال والزعامة والخيل والليل والبيداء…!
طبق "الأصل"