"الأوضاع" لا تحتمل اجتهادات دستورية -2-
الاقتراح الاول الذي طرحه مثقفون وسياسيون وقانونيون ومتعاطو الشأن العام على رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان هو ان يعمل لحل الازمة اللبنانية والا يكتفي بادارتها كما فعل رؤساء آخرون قبله. ذلك ان الادارة تبقي عدم الاستقرار السياسي قائماً وتفتح الباب امام تحوله عدم استقرار امنياً متجولاً. فضلاً عن انها تدفع الرأي العام عند كل من الشعوب اللبنانية الى تحميله مسؤولية اللاحل. هذا الاقتراح يفترض ان يكون مغرياً اولا للرئيس الجديد، وثانياً للناس على اختلافهم وتناقضهم، لكنهم في حال التمعن فيه يبدو كـ"الفخ" الذي من شأنه تكبيل الرئيس وربما زيادة مصاعب البلاد وشعوبها. ويظهر ذلك جلياً من خلال اسئلة بسيطة ولكن غير تبسيطية. اولها، هل ان الشعوب اللبنانية ذات التاريخ الحافل بالتقاتل السياسي وغير السياسي جاهزة ليقدم كل منها تنازلات تؤدي الى حل يرعاه ويعمل له الرئيس الجديد سليمان؟ وثانياً، هل تستطيع الشعوب اللبنانية بعدما صارت جزءاً من ايديولوجيات قوى خارجية ومصالحها وحوّلت وطنها لبنان، بسبب ذلك ساحة، حرب لها، التخلص من هذه القوى؟ وثالثها، هل تستطيع الشعوب اللبنانية على افتراض انها رأت ان مصلحتها تكمن في التفاهم وفي فك الارتباط مع الخارج، ان تحقق هذا التفاهم وأن تفي بكل موجباته؟ ورابعها، هل يستطيع الرئيس الجديد سليمان ان يقنع اميركا وايران وسوريا ومصر والعربية السعودية واسرائيل وغيرها بتسهيل الحل النهائي في لبنان؟ او هل يستطيع ان يجبرها على فك استرهانها لبنان وشعوبه؟ وخامس الاسئلة هو: هل يستطيع الرئيس الجديد سليمان ان يفرض اقتراحاته واطروحاته والحلول والرئاسة على ما هي عليه من ضعف ووهن؟ علما انه يفترض ان يتذكر ان رئيساً سابقاً، ربما عن قلة خبرة، انتقد من سبقه مباشرة الى الرئاسة لاكتفائه بادارة الازمة، وعندما وصل اليها حاول حلها "ففك رقبته" و"رقبة" البلد.
والاقتراح الثاني اقتصر تقديمه على القانونيين ولا يزال يقتصر عليهم، وهو تحرير رئيس الجمهورية من الزامية نتائج الاستشارات النيابية التي يجريها لتكليف من تختاره غالبية النواب لتأليف حكومة جديدة وذلك بالقول ان الالزام في الدستور يعني اجراء الاستشارات ولا يشمل نتائجها. وهذا اجتهاد قانوني لكن فيه بعض التجاهل للنص الواضح الذي قصد النتائج وليس مبدأ الاستشارات، اذ لو كان ما اجتهده صحيحاً لما كانت هناك حاجة لذكر "الملزمة" في الدستور المعدّل لانها كانت تجرى سابقاً. فضلاً عن ان النص المعدّل هذا طبّق منذ تعديله اكثر من مرة، ولم يعترض عليه احد، اللهم الا مرة واحدة يوم قبل الرئيس السابق اميل لحود ان يترك عدد من النواب له حرية اختيار رئيس الوزراء المكلف خلافاً لنص المادة الدستورية فقامت القيامة ولم يجرؤ احد على تبني اجتهاده.
والاقتراح الثالث الذي اقتصر تقديمه او طرحه اجمالاً على قانونيين، هو ان في امكان الرئيس الجديد العماد سليمان ان يطلب من رئيس الوزراء المكلف الاعتذار في حال اخفق في التأليف، بعد مهلة معينة وفي ظل اجواء داخلية تفرض ذلك، علماً ان ذلك غير دستوري لان مهلة كهذه غير موجودة في الدستور الذي لا يتحدث عن الاعتذار. ولم يحصل منذ اتفاق الطائف الذي عُدل الدستور على اساسه ان فرض رئيس جمهورية على رئيس وزراء مكلف الاعتذار. واي محاولة الآن للكلام على مهلة زمنية تعطي رئيس الجمهورية حق الطلب من رئيس الوزراء المكلف الاعتذار بعد انتهائها لن تكون في محلها.
والاقتراح الرابع الذي يحاول ان يتوسع في الدور الحكومي لرئيس الجمهورية اكثر من المسموح به دستورياً هو مثل الاقتراح الذي يحاول اصحابه ان يقنعوا رئيس الوزراء المكلف بأن التأليف من مهمته وحده وان المطلوب منه دستورياً "اطلاع" رئيس الجمهورية على التشكيلة والاستماع الى ملاحظاته عليها والاخذ ببعضها.
اما الاقتراح الخامس الذي لم يقتصر تصريحه او طرحه على قانونيين بل تجاوزهم الى سياسيين فهو مفهوم تصريف الاعمال للحكومة المستقيلة ومعناه وحدوده. علماً ان المعنى المتداول دستوريا هو القيام بالقليل الذي لا بد منه ريثما تتألف حكومة جديدة وتباشر عملها بعد نيلها ثقة مجلس النواب.
في اختصار ليس القصد من هذه "المطالعة" بلغة القانونيين انتقاد احد منهم، ولا رفض الاجتهادات القانونية التي من دونها لا عدالة لان الجمود والتحجر ليس من صفة البشر، ولا عدم الاقتناع بـ"السوابق" القانونية في اكثر الدول عراقة في القانون، بل القصد منه دفع هؤلاء الى اخذ وضع لبنان في الاعتبار اثناء انشغالهم بوضع الدراسات القانونية والاجتهادات. فهو كان في حرب عسكرية داخلية وخارجية استمرت نيفاً و15 سنة، ثم عاش حرباً سياسية مع وصاية شقيقه نيفاً و15 سنة، وهو يعيش منذ اكثر من ثلاث سنوات وضعاً بالغ الصعوبة والتعقيد يذكّر ما يجري فيه منذ اسابيع ببدايات "حرب السنتين". وفوق ذلك كله يعيش لبنان انقساماً طائفياً ومذهبياً حاداً وعميقاً. وفي اوضاع كهذه حيث يشعر السنّي انه مستهدف وكذلك الشيعي والمسيحي والدرزي وابناء كل الشعوب اللبنانية الاخرى، لا يجوز الاجتهاد وخصوصاً في حال وجود النص لان العواقب قد تكون وخيمة ولو كان القصد طيباً، اي تحصين موقع رئيس الجمهورية المسيحي.