لأنه يتصدّى للسيناريو السوري ـ الإسرائيلي الأسوأ
ولأنه يعرف أن تمتين ركائزه في لبنان يُعفيه من تجربة المقايضة ويجعل الأسد ورقة في يده
خيارا "حزب الله" للسيطرة على لبنان: الاستسلام أو هريان الدولة
لا يخشى "حزب الله" على وضعيته من "التقارب" السوري ـ الإسرائيلي، وهو لن يرف له جفن إذا شاهد، في باريس، بشار الأسد وإيهود أولمرت إلى طاولة واحدة، وحتى في غرفة مغلقة عليهما.
عدم خشية "حزب الله" لا ينبع من اطمئنان إلى النظام الذي اغتيل في أفياء أمنه الحديدي، قائده العسكري عماد مغنية، بل لأنه يُدرك أن دمشق لم تعد تملك ورقته، بل هو من يملك ورقتها، بواسطة "الولي الفقيه".
ومن يُدقق في التقارير الديبلوماسية الواردة من دمشق، يُدرك أن بشار الأسد قد ضعف جداً أمام المد الإيراني، فهو يعاني الأمرين مع غضب الأغلبية الساحقة من الشعب السوري لأنه يفرض عليها قواعد دينية صارمة، بحيث يمنعها، على سبيل المثال لا الحصر، من إقامة مدارس خاصة فيها، ولكنه في المقابل يفسح المجال رحباً أمام رجال الدين الإيرانيين لفتح الحوزات العلمية ولإنفاق ما يلزم من "مال الجذب الديني".
كما أن من يُمعن في قراءة الواقع اللبناني الجديد، يتأكد أن التأثير السوري في لبنان لا يوفره علي قانصو أو وئام وهاب أو ناصر قنديل أو كريم بقرادوني وكلّ "جحافل الدمى"، بل "حزب الله".
ومن يدرس بعناية ما حصل في سوريا لدى "غزوة بيروت والجبل"، يعرف تماماً أن "حزب الله" سوف يتحرّر من إرباك حماية النظام السوري من أفعاله في لبنان في حال "تحرّر" ظاهرياً من نظام الأسد، لأنه آنذاك يستطيع أن يضرب بقوة أكبر من دون أن يخشى على الأسد من "ثورة سنية" و"انتفاضة درزية".
وبهذا المعنى، فإن "حزب الله" مطمئن جداً إلى أن الأسد أعجز من أن يُقدّم رأسه إلى إسرائيل، سواء في إطار صفقة تسوية سلمية أم في إطار صفقة حمائية من تبعات المحكمة الدولية الخاصة بقضية اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري.
ومن يحاول أن ينظر إلى أبعد من الدخان الذي ينشره العماد ميشال عون في الأفق الحكومي، يُدرك أن "حزب الله" يهيّئ أرضية الاستغناء نهائياً عن "خدمات النظام السوري" على اعتبار ان سيطرته على مطار رفيق الحريري الدولي كما على الأجهزة الأمنية ووزارة الاتصالات والثلث المعطل في الحكومة، تعفيه من الحاجة لتمرير ما يريده من إيران عبر مطار دمشق، كما تعفي إيران من حاجتها إلى النظام السوري للإطلالة على البحر الأبيض المتوسط بفعل توفير "حزب الله" لقاعدة مماثلة.
ولعلّ هذه القراءة الاستراتيجية التي يُجريها "حزب الله" لما يُسميه السيناريو السوري ـ الإسرائيلي الأسوأ، يمكن أن تُفسّر إرادة تطويل أمد "الفراغ الحكومي" في لبنان، ذلك أن "الفراغ الحكومي" يُحقق لـ"حزب الله" واحداً من هدفين يضعهما نصب عينيه، فإما أن يتعب رئيسا الجمهورية والحكومة المكلف ميشال سليمان وفؤاد السنيورة فيُعطيانه ما يُريده في الحكومة والإدارة والأمن، وفي حال "صمودهما" يأخذ الحزب الدولة إلى حالة الاهتراء الشامل.
ووفق خبير في الشأن اللبناني، فإن "الفراغ الحكومي" كفيل بإحداث هذا الاهتراء، لأن قادة الألوية في الجيش اللبناني يمرون بحالة من الجمود، فهم غير مستعدين للتصدي في وقت لا يعرفون ما إذا كان قائد الجيش العتيد سيأتي من رتبة أدنى من رتبهم فيضطرون للاستقالة، كما ان المسؤولين الأمنيين لا يجدون حاجة إلى تقديم تضحيات مكلفة لهم، خوفا على أنفسهم من المجهول الآتي ليترأسهم وسينتقم منهم. وحالة المراوحة هذه لا تشل فاعلية الجيش والمؤسسات الأمنية فحسب، بل تؤدي ايضا إلى إفساح المجال للأهداف المرسومة من "الفتنة المتنقلة".
ويشير هذا الخبير السياسي إلى أن "الفراغ الحكومي" بالإضافة لما ينتجه من كوارث أمنية، فهو في الوقت نفسه يُنتج كوارث اجتماعية واقتصادية، الأمر الذي يوصل "حكومة تصريف الأعمال" ورعاتها إلى وضعية خطرة للغاية على تخوم انتخابات نيابية مصيرية.
ويقول الخبير نفسه إن إثارة العماد ميشال عون موضوع صلاحيات رئيس الحكومة وفق ملفات سبق أن أثارها الرئيس السابق أميل لحود وكلها بعهدة كريم بقرادوني، هدفها الرقص على "الفراغ الحكومي" من أجل إثارة الغرائز الطائفية وإدخال البلاد في تنازع بين الموارنة والسنّة، الأمر الذي من شأنه إعطاء عون مساحة انتخابية مريحة ولكن من شأنه أيضاً أن يحقق لـ"حزب الله" أمنية غالية عليه وهي إدخال البلاد في صراع يعفي إيران وسوريا ـ حالياً ـ من تحمل تبعات صراع سني ـ شيعي، وليس من قبيل الصدفة أن السياسيين السنة الذين سارعوا إلى التهجم على اقتراح عون هم أولئك الذين تربطهم بعون وبـ"حزب الله" وحدة المصير والمسار، كالرئيس عمر كرامي مثلاً، الأمر الذي يفيد "حزب الله" على الحالتين، فهو يُعطي عون قوة مسيحية ويُعطي "حلفاءه السنة" مشروعية لدى قواعدهم الناخبة.
أمام هذه المعطيات، ما هي خطة المواجهة؟.
من يتوعّد "حزب الله" بالسوري المتواطئ مع إسرائيل مخطئ، ومن يتكئ على المؤسسة العسكرية لردّ "قدر حزب الله" مخطئ، ومن يمنّن النفس بسلطة حكومة تصريف الأعمال التي انهزمت في قراري أمن المطار وشبكة الاتصالات الخاصة بـ"حزب الله" مخطئ، ومن يطلب عملاً عجائبياً من الرئيس سليمان المكبل بحكومة "اتفاق الدوحة" مخطئ، ومن يحصر همّه بميشال عون مخطئ، ومن يقدم مزيداً من التنازلات مخطئ.
أين الحل إذاً؟.
هذا السؤال في اعتقاد كثيرين هو السؤال الخطأ، على اعتبار أن البحث عن الإجابة الحقيقية يبدأ بطرح السؤال الصحيح ومحوره: كيف نقلب سحر "حزب الله" عليه بحيث يهترئ هو… ويبقى لبنان.