#adsense

المحكمة الدولية من ثوابت السياسة الفرنسية ولا تفاوض عليها

حجم الخط

مصادر دبلوماسية غربية معنية بتبديد أسباب القلق اللبناني من الحوار الفرنسي ـ السوري
"المحكمة الدولية" من ثوابت السياسة الفرنسية ولا تفاوض عليها

"لا داعي للقلق، وإن كنا نتفهم دواعي القلق عند قسم من اللبنانيين". هذا ما تحرص على تأكيده مصادر دبلوماسية غربية مطّلعة عن كثب على ما يدور من "حوار فرنسي ـ سوري" يستبق ويمهّد لزيارة الرئيس السوري بشار الأسد إلى باريس للمشاركة في إطلاق "الإتحاد من أجل المتوسّط".

وإذ تشدّد هذه المصادر على أنها معنية بأنّ تفسّر للبنانيين طبيعة ما يجري على هذا الصعيد، فهي لا تنفك تكرّر بأنها لا تقدّم تبريرات، وبأن العلاقة بين فرنسا والأكثرية البرلمانية اللبنانية بالتحديد قوامها الثقة المتبادلة، فيما الحوار مع سوريا محكوم بالإشارات الإيجابية العملية التي تقدّمها دمشق.

ويعني ربط العلاقات الفرنسية ـ اللبنانية بالثقة المتبادلة أن ثمة "ثوابت" واضحة ومعلنة في السياسة الفرنسية تجاه لبنان، وهذه الثوابت تتصل بسيادة لبنان وتعافيه أمناً وسياسة ومواكبة ملف المحكمة الدولية وتعزيز سلطة الدولة ولن تصير أوراق بيع وشراء على طاولة الحوار الفرنسي ـ السوري، بل على العكس من ذلك يحتل "الملف اللبناني" مكانة بارزة على طاولة المحادثات مع دمشق، في إطار تثبيت دعامات الإستقلال اللبناني وحمل دمشق على التكيّف مع هذا الإستقلال.

تربط فرنسا عودة الحوار مع دمشق بما حدث من انفراج على صعيد تأمين جلسة انتخاب رئيس للجمهورية وانتهاء مرحلة الفراغ الدستوري. وإذا كان البعض في لبنان يرى بحذر إلى هذا الربط، ويجد أن سوريا نالت دبلوماسياً وبروتوكولياً من فرنسا أكثر مما تستحق، فإن المصادر الدبلوماسية الغربية تؤكد بأنه ينبغي التعامل بايجابية مع هذه البادرة السورية التي حصلت ولو بعد طول تأخير، وإن بعد أيام بيروت الدامية.

بذلك تكون دمشق قد حمّلت عملياً مسؤولية التعطيل الذي طاول كل المؤسسات في المرحلة السابقة، وصولاً إلى فرض الفراغ على كرسي الرئاسة لستة أشهر. دمشق عطّلت، ثم دمشق سهّلت. وهذا يعني أن كل تعطيل مستقبلي ستحمّل مسؤوليته لدمشق، وسيطلب منها رفع أسبابه، وعدم التذرّع بأن لحلفائها اللبنانيين حساباتهم الخاصة، وسلطة تقرير لا قدرة لها على مراجعتهم بصددها.

فهل تضبط المرحلة المقبلة من العلاقات الفرنسية ـ السورية على أساس أن سوريا هي الطرف الذي له أن يؤخر وله أن يسرّع من وتيرة تشكيل الحكومة اللبنانية، وله أن يصعّد من مواقف العماد ميشال عون أو يحمله على الهدوء واللطف، والطرف الذي يمكنه أن يمرّر أو أن يحجز عملية صياغة البيان الوزاري، ومن ثم ييسّر أو يعكّر صفو المناخات الممهّدة للإنتخابات التشريعية؟

لا تنفي المصادر الدبلوماسية الغربية اختلاف سياسة الرئيس ساركوزي عن السياسة التي جسّدها سلفه جاك شيراك، لكنها تذكر هنا أيضاً بأن شيراك كان أول من أعطى فرصة لنظام بشار الأسد، بل منحه أكثر من فترة سماح إضافية، حتى بعد أن لاح ضيق صدر هذا النظام بالمضافات المدنية في دمشق، وبالمطالب السيادية في بيروت.

لقد انتظر جاك شيراك لحظة التمديد القسري لإميل لحّود لكي يعلن قطعه المبرم مع السياسة السورية في لبنان، وحافظ بعد ذلك على هذه القطيعة، على قدر كبير من الثبات، خصوصاً مع اغتيال الرئيس الحريري وانطلاقة عملية التحقيق الدولي، ثم المحكمة الدولية.

بيد أن فرنسا لم تقطع علاقاتها الدبلوماسية مع دمشق يوماً، حتى في عزّ القطيعة في آخر عهد الرئيس شيراك. وإذا كانت سياسة الرئيس ساركوزي تختلف عن سلفه حيال المسلك الواجب لتحريك الجمود في الشرق الأوسط، إلا أنها سياسة تبقى محكومة بالثوابت التي كرّستها مرحلة سلفه، وتحديداً في ما يتعلّق بالمحكمة الدولية. إذ لن يتطلّب الأمر على طاولة الحوار مع سوريا أكثر من لفت انتباه الجانب السوري إلى أن طريقة صناعة القرار واستمرارية المؤسسات تختلف كثيراً بين ما هو معمول به في الدبلوماسية الفرنسية وبين ما هو معمول به في الدبلوماسية السورية.
فرنسا في عهد ساركوزي لا تنطلق إذاً من الصفر عند تعاطيها مع دمشق، كأن شيئاً لم يكن، وكأن النظام السوري قد صار متمّم الشروط للعودة مجدداً إلى كنف المجتمع الدولي. لكن القلق عند اللبنانيين من أن تعاود فرنسا تجربة تقديم مناخات انفراج للنظام السوري والحكم بعد ذلك على درجة استعداد هذا النظام لتقبل هذه المناخات يبقى موضع تفهم من جانب الفرنسيين، ويعطف على استنكار شخصيات رسمية وأخرى ذات ثقل في فرنسا للزيارة المرتقبة للرئيس السوري إلى باريس.

فالمصادر الغربية نفسها لا تنكر أن يكون الحوار مع سوريا يقوم على نوع من "رهان"، وإن كانت تقلّل من احتمالات الإرتداد العكسي لهذا الرهان بشكل سلبي على اللبنانيين، وتلفت إلى أن هذا الرهان لا يمكنه أن ينقلب بشكل سلبي الا على سوريا إن لم تلتقط هذه اللحظة الدولية المعطاة لها، وتعمل بثبات وبجرأة على التمثّل بـ"النموذج الليبي" في ما عنى التعاطي مع الغرب.

تفضّل فرنسا خوض "الرهان" على البقاء في وضع يلفه الجمود والتشنّج في الشرق الأوسط. تلحظ دبلوماسيتها أن ثمة صراعاً حيوياً يدور في المنطقة، وليس يمكنها أن تحكم مسبقاً على مسار الأمور، لكن ليس يمكنها أن تراقبه عن بعد، بل إن مشروع "الإتحاد من أجل المتوسّط" هو مناسبة لا يمكن القفز فوقها من أجل محاولة ممارسة تأثير على هذا الحراك، بالاتجاه الإيجابي.

فهل يمكن أن تشهد القمة "المتوسطية" في باريس اختراقاً استثنائياً على صعيد المفاوضات بين سوريا واسرائيل؟ المصادر الدبلوماسية الغربية المعنية لا تنفي ولا تؤكد ما يتسرّب في هذا الشأن، وخصوصاً في ما يتعلّق بقمة تعقد بين الرئيس السوري بشار الأسد ورئيس الوزراء الإسرائيلي ايهود أولمرت، وإن كانت هذه المصادر تأمل وتتوقع أن لا تكون العلاقة بين الجانبين هذه المرة "عدائية"، أو "تجاهلية" على ما شهدناه في المؤتمرات الأورو­متوسطية السابقة.

وإذا كانت المصادر الدبلوماسية الغربية تعيد التذكير بأن سوريا ليست البلد الوحيد الخالي من الديموقراطية في العالم، وأنّ التعاطي بواقعية مع الأنظمة المتسلّطة في العالم الثالث هو "قدر"، فإنها تلتزم "منزلة بين منزلتين" عندما تسألها عن الحريات في سوريا، واطلاق سراح المعارضين فيها وسجناء الرأي، بالإضافة الى المعتقلين من لبنانيين وفلسطينيين وغيرهم. فلا هي تقول أن هذه المسائل لها مكانها على طاولة الحوار الفرنسي ـ السوري، ولا تقول إن هذه المسائل ليس لها أن تناقش في إطار الحوار. لكن المصادر نفسها تعود وتضيف بأن اطار "الاتحاد الأوروبي" الذي سترأسه فرنسا لعام كامل، هو المرجع الصالح لإثارة المسائل المتصلة بحقوق الإنسان والحريات.

ليس بمستطاع المصادر الدبلوماسية الغربية أن تقرّر منذ الآن إذا كان "الانفتاح الفرنسي" على سوريا سيدفع بالأخيرة الى مزيد من الإستقلالية عن ايران، أو سيدفع بايران الى شيء من الاعتدال، وإن كانت الأخيرة قد اتخذت موقفاً متشجناً في الفترة الأخيرة عندما رفضت العرض الغربي الذي قدّم في مقابل تنازلها عن برنامج تخصيب اليورانيوم. كذلك الأمر، لا تنكر هذه المصادر بأن الدور الأساسي في هذه المنطقة يعود للولايات المتحدة الأميركية لا لفرنسا، وأن الانتخابات الرئاسية الأميركية هي "معطى" أساسي يرخي بثقله على محدّدات السياسة الفرنسية حيال لبنان وسوريا.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل